عوالم أخرى الجزء الأخير: لاعب النرد

من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ من أنا؟



ارتديت ملابسي، وخرجت من دولابي. أتجول بين حشود الناس، وجوه كثيرة من حولي، أتأملها، أفكر فيها، أحبها وأكرهها. أسأل نفسي، لو يعلمون ما أنا فيه، ماذا يقولون؟ لو أعلم ما فيهم، ماذا أقول لهم. قصصٌ تتجول على أقدام.

مَنْ أَنا لأقول لكمْ

ما أَقول لكمْ ؟

مَنْ أَنا؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً

أَنا لاعب النَرْدِ ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليل ” **

 

جمعتنا الصدفة في مكان واحد، أفكارٌ تصعد من الرؤوس، وتَتَلاحمُ في السماء. سماء واحدة، تجمعنا، فرحة واحدة، تُضحكنا، ومصيبة واحدة، تهزنا. كان يمكن أن أكون أنا أنت، أو أنت، أو أنتِ. وكان يمكن أن لا أكون أصلًا فلا تتصادف وجوهنا، مرة.

“وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ

وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً

وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً ،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

“وأَمراضها

 

أنتِ، يا من تَجوبين أمامي كحمامة السلام وسط نسور الكُره. هل بك من ألم؟ هل بك من سعادة؟ تتأملين في أحوال الأنام؟ أم  تبحثين عن الحب، في مصادفة؟ ربما تتلاقى أعيننا، فيُخلَق كونٌ داخل الكون. أو لا شيء.

” كان يمكن ألاَّ أُحبّ الفتاة التي

سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟

لو لم أَكن في طريقي إلى السينما …

كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما

هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما ”  

 

الحب، ارتفاع عن العالمين. ونظراتي لها أنقذتني من سيارة كادت على وشك أن تُنهي قصتي، إلى أبد آبدين. وأذهب مع الرياح إلى أعلى، أو لأسفل، فلا تنقضي باقي الحياة، معكِ. للحظة، يصبح ألم الحياة جميلًا، محتملًا. في سبيل عدم النزوح، إلى اللا معروف.

” يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ

ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا

عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ

لا شكل لك

ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً

أَنت حظّ المساكين ”

 

أنظر تحت قدمي، أيتها الأرض التي ولدنا عليها، ودائمًا ما نحب أن نموت ونرجع إليها، لماذا تُعذبيننا، ونحن في هواكي، محبون، ومُضحون، وله محاربون، لماذا تختارين من يسوق القلوب إلى بعيد، لينالكِ، كُلكِ.

“أُحبك خضراءَ. يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً

تتموَّج في الضوء والماء. خضراء. ليلُكِ

أَخضر. فجرك أَخضر. فلتزرعيني برفق

برفق ِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء .

أَنا بذرة من بذورك

خضراء

لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ

وخياليَّةُ الأمكنةْ

بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ “

 

لم أمُت البارحة خلال النوم، لأصحو اليوم، وأراكم، واكلمكم، وتدورون في رأسي، وأدور في رؤوسكم.

شابٌ يقرأ وسط الحشد، وآخر يكتب رسالة، ونحلة تطن في أذني، وأنا أتجول، وأرقص، على موسيقى الكون.

 

“ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً

فأصغي إلى جسدي

وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً

وأُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟ ”

 

أنا من الكون، وإليه، أعود.

 

(**) قصيدة لاعب النرد: محمود درويش