عوالم أخرى الجزء الرابع: العنقاء

إنّي محدثك ومُودِعكَ أمانة أفكاري، وأحوال الناس في بلادي، فإنّي لمحدثك اليوم عن العنقاء.



تحرير: ساره محمد وسلمى عبد السلام.

سلامٌ عليك يا صديق الأفكار،

أما بعد،

لا اعلمُ إن وصلتكَ رسائلي وأحزاني، وسأظل أبعث إليكَ لأنك ملاذي الأخير.

وهذا حديث ذو شجون، فإنّي لمحدثك اليوم عن العنقاء.

طائرٌ ذو صيتٍ مهيب، كثيرُ الغياب. يحكم المشرق والمغرب. يعلونا مكانةً، يتحكمُ في العِزِ والمهانة. اعلم يا أخي، قدس الله روحك، ونوّر عقلك، وجعلك من أهل العِلمِ، أننا لا نخطو خطوة إلا وتذكرنا العنقاء قبلها وبعدها.

ولكن هناك ما يحيرني، ويجعل الأرق يعصف بنومي، أن جميع القرى من حولنا يصطادون ويأكلون الطيور. ولكن أهلنا يُحَرّمون هذا الفِعل ويعدّونه من أقصى الجُرم. فقيل لي أن الطيور حُكّامٌ صغار، تبعثهم العنقاء ليتفقدوا الطاعة والعصيان. وفي يومٍ كنت في منأى عن قريتنا، رأيت بعض الطيور. فتقرّبت منها أرجوها الرضا والنعيم. فطارت، بعد أن رأيت فيها الخوف.

وتذكرتُ أنه عندما كنّا صغارًا، قيل لنا أن في الزمن البعيد، كان هناك رجلاً متواضعً، كثير الكلام في علم الحيوان، كتب كتابًا يقول فيه “إن الطير لا يملك عقلًا، قَلِق، يُحلّق إلى ما رآه مناسبًا له في العيش والأمان”. فتصاعدتالنيران في جميع الأنحاء، وأخذته العنقاء إلى عذاب حتى أبدٍ أبيد. وحُرق الكتاب حتى أصبح رمادًا يتطاير مع الرياح، إلى الزوال.

يا صديقي، لا أذكر إن كنت قد ذكرت لك عن عشقي، و لكن كيف لم أذكره وهو يجوب مع شعاع الشمس ونور القمر في بالي، لا تأخذه سنة من نومٍ ولا غيبةٍ. لكنّي لست محدثك في هذا الأمر الآن خشية أن يلحظ أحدهم رسالتي فأُرسل لذُلٍ ليس له مثيل. فيقولون لي أنني منذ عشقت وأنا بعيدٌ عنهم، وعن العنقاء. وتخاف أميّ، أسكنها الله نعيمه، وتقلق من أن يأتني عذابٌ لا طاقة لدي ولديها على احتماله.

لن يفهموا، مساكين. فالعاشق ما هو بحكمه، أو أي حُكمٍ، إلا حُكم سلطان عِشقه.

سلامٌ عليك يا أخي، قدّس الله روحك، إنّي محدثك ومُودِعكَ أمانة أفكاري، وأحوال الناس في قريتي، لتكون صدىً لي في عوالم أخرى، لا أعرف عنها ولا تعرف عني، إلا مقدار ما نعرف نحن عن العنقاء.