رسائل طواها الزمان – الرسالة الثانية: الإصرار

ترددت كثيرًا و صرت أتصبب عرقًا و أرتعش،حتى استجمعت قواي، و قررت أن ألفظ ما بت أحضر له منذ أيام



تحرير: ندى أبو اليزيد وآلاء محمد

 

إلى قارئي أو قارئتي/

أعتذر بشدة عما بدر مني في الرسالة الأخيرة، و ها قد حان الوقت لأحكي لك عن الحقيقة التي اكتشفتها و قلبت حياتي رأساً علي عقب، و لكن دعني أولاً أخبرك ماذا وجدت في طرقات جامعتي….

 

ورقة مطبوعة علي الحائط،أبعادها ٣٠*٣٠ سم، ألوان كثيرة، مكتوب في وسطها “رحلة إلي دهب و نويبع” و “تسلق جبال سانت كاترين”

 

كان لاسم “سانت كاترين” وحده وقع في نفسي، فدائمًا كنت أحلم بتسلق ذلك الجبل الذي غير حياة الكثيرين، و لكن كعادة أحلامي المُدمرة،كان أبي لا يوافق على الرحلات؛ لضعفي و صغر حجمي.

 

توقفت لوهلة و فكرت إذا كنت أريد لحياتي التغيير، إذا فكيف و أنا في نفس المكان المزري، و محاط بنفس الأناس و العقول المُحبطة؟

 

و كأنني كنت أمام تحدٍ شاق و لكن أريد أن أربحه بأي شكل!!

 

سجلت مواعيد الرحلة و الأرقام، و كل شيء يخصها! و ثم بدأت بتدوين ما سوف أحتاج إليه و كأني واثق من ذهابي، و نسيت تمامًا أهلي و معجزة إقناعهم،و لكن كان شيء ما يحدثني أن الله لن يخذلني هذة المرة، و إنها حقًا فرصتي للذهاب في تلك “المغامرة” التي لم أعرف شعورها قطً….

 

أتذكر جيداً يومها كيف قضيت يومي، لا أفكر في شيء غير تلك الرحلة. صرت أتخيل نفسي و أنا أصعد الجبل،و أتخيل ليلة الرحلة، و ماذا سوف أعد؛ حتى صار الأدرينالين يسري في جميع أنحاء جسدي من فرط الحماس، و لكن جاء  تاريخ آخر ميعاد للتقديم كالقلم يصفعني، فلا يوجد أمامي غير سبعة أيام فقط لإقناع أهلي…..

و يا لها من مهمة شاقة، و لكن الأمر -حتمًا- يستحق إصراري….

 

و من هنا عزيزي القاريء وعيت المرحلة الثانية، و هي “الإصرار”، و بذل كل ما بوسعي و أكثر لتغيير واقعي الأليم…..

 

أتذكر أني ظللت لمدة يومين أكتب،  و أعد لحديثي مع أبي و أمي؛ محاولاً انتقاء ألفاظي و تنميق كلامي قدر المستطاع، حتي حانت اللحظة عندما كنا نأكل وجبة عشاءنا المعتادة…..

 

ترددت كثيرًا و صرت أتصبب عرقًا و أرتعش،حتى استجمعت قواي، و قررت أن ألفظ ما بت أحضر له منذ أيام….

 

“أبي .. أمي، أريد أن أحدثكما في موضوعٍ ما….أريد السفر في رحلة مع جامعتي إلى سيناء”

 

“امم،منذ متى هذا التمرد؟” قالها أبي متعجبًا من طلبي المفاجيء

 

صُعقت للحظة، و لكن بكل ما أملك من مهارة في الحديث، وجدتني أرمق أبي بنظرة يمزجها الاستعطاف و التمرد، و أرد عليه قائلاً:

 

“أنا على مشارف عامي الواحد و العشرين، ألا ترى أنه قد حان الوقت لأضيف أي شيء لسنين حياتي الضائعة؟ ألم تكل من وجودي بجانبك طوال الوقت وأنا بلا فائدة؟….قُضي الأمر يا أبي، لقد عزمت السفر، عزمت التغيير فأرجوك لا تقف في طريقي!!!”

 

 

لا أعلم كيف نطقت بهذه السهام التي جاءت في صميم قلب أبي.

 

اتسعت حدقتاه و نظر إليّ نظرة تقول أن معي كل الحق….

 

“يا بدر، يا بني اهدأ قليلاً، حسناً حسنا اذهب إلى تلك الرحلة و لكن لا تفكر هكذا و….”

 

صاحت أمي فجأة:

“ماذا؟ أفقدت عقلك؟ أي جبل هذا الذي سوف يتسلقه و هو هزيل هكذا؟”

 

كتمت غضبي، و لكن نظرت إلى أبي و قلت له أني سوف أدفع الرسوم الخاصة بالرحلة غدًا من مصروفي الذي أدخره.

 

وافق أبي على مضض، بينما ظلت أمي تصيح بي و بأبي لتصرفي الطائش….

 

وقتها شعرت أن الله قد حقق لي حلمًا، كان تحققه أشبه بالمعجزة!

 

يألله هل سأسجل اسمي غداً!! هل حقاً سوف أخرج للعالم و أرى ما أمضيت عمري اقرأ عنه!

 

و دفعت رسوم الرحلة، و سجلت اسمي، و مرت الأيام حتى جاءت الليلة الموعودة، و أتذكر كيف كانت غرفتي في فوضى لا مثيل لها من كثرة التحضيرات و الحماس. لملمت ما تبقي من ملابسي، و أغلقت حقيبة سفري، و أعدت التأكد من كل المعدات اللازمة، ثم ارتميت بجانب الحقيبة، و مضيت أفكر في الأسابيع الفائتة، و كيف صمدت أمام كل الصعاب لأصل لهذه اللحظة….و حينها عرفت يا قارئي العزيز أنني كنت في مرحلة “الإصرار”….

 

و لم يكن في بالي معنى للإصرار، غير فعل المستحيل لتحطيم كل ما يقيدك، فقط لتصل إلي ما تريد..

لن أطيل عليك أكثر من هذا، كفاك تفاصيلاً و دعني أحكِ لك كيف مضت الرحلة الحقيقة.. في الرسالة المقبلة

بدر