فَن صِناعة الإرهابيين

التَنَبّؤ بِشيءٍ ما، الذي يؤَثِّرُ عَلى كافّةِ العوامِل المُحيطة بِهِ و الأشخاصِ المؤَثِّرونَ على حُدوثِهِ، ما هو إلا تَلاعُبًا بِالحاضِر.



تحرير: أحمد توفيق وزينة إيهاب.

 

“مَن شَبَّ على شيءٍ شابَ عَلَيهِ” لا أدري لِمَ يؤمِنُ المُجتَمَعُ بِذلكَ القولِ الذي نُفيَ مِرارًا و تِكرارًا عَبرَ التاريخ. هذا القولُ الذي رُبَّما كانَ أحد الأسباب التي حَدَّدَت مَسارَ الكَثيرِ مِمَّن اعتَبَروا ذلكَ مُسَلَّمًا بِه.

تَفصيلًا، يَعتَبِرُ البَعضُ أنَّ هُناكَ أشخاصٌ لَدَيهِمُ قُدرَةُ التَنَبّؤ بِمُستَقبَلِ أشخاصٍ أو تَجارِب، و المُتَنَبّئ هوَ إمّا شَخصٌ بالِغُ الذَكاء أو لَدَيهِ عِلمٌ غَزير. لَكِن (مُتَنَبِّئو) مُجتَمَعنا لا يَمُتّونَ لِلدَهاءِ أو العِلمِ بِصِلة.

التَنَبّؤ بِشيءٍ ما، الذي يؤَثِّرُ عَلى كافّةِ العوامِل المُحيطة بِهِ و الأشخاصِ المؤَثِّرونَ على حُدوثِهِ، ما هو إلا تَلاعُبًا بِالحاضِر. كَدُخولِكَ لِإمتِحانٍ ما و أنتَ مؤمِنٌ بِأنَّكَ سَتَرسُب مَع أنَّكَ قَد ذاكَرتَ لَهُ جَيِّدًا، بِطَبيعةِ الحالِ سَتَرسُبُ لَيسَ كَما تَنَبّأت، لَكِن كَما أَقنَعتَ الشَخصَ الذي بِيَدِهِ الفِعل نَفسُه، أنت.

 

التَلاعُب بِالحاضِر بِمُسَمّى “التَنَبّؤ” هو ما يَفعَلُهُ أغلَبُ المُحَلِّلين و الإعلاميين، و تِكرار بَعضِ الأقاويلِ التي لا يوجَدُ ما يؤَكِّدُ حُدوثَها بِثِقةٍ مُبالَغٍ فيها حَتّى يؤمِنُ بِها الناسُ. و يُصبِحونَ هُم مَن يُحَقِّقونَ تِلكَ الأحداثِ التي ادَّعى الإعلاميونَ تَنَبّؤِها -اقرأ في نَظَرياتِ التَنَبّؤاتِ المُحَقِّقةِ لِذاتِها في عِلمِ النَفسِ الإجتِماعي- مُجَرَّد التَنَبّؤ بِشَيءٍ ما، وإشعالِ المَخاوِفِ أو كَثّرة التَفكيرِ في إمكانية حُدوثِها، أو حَتّى الحَذَرِ مِنهُ رُبَّما يؤَدّي لِعَواقِبَ كارِثية. كإفسادِ إنسانٍ لِمُجَرَّدِ أنَّ مَن حَولَهُ تَنَبَّؤوا بِمُستَقبَلِه، كَالذي يَحدُث مَع مَن آمَنوا بِأنَّ “مَن شَبَّ على شيءٍ شابَ عَلَيهِ”.

 

أثبَتَ عُلَماءُ النَفسِ أنَّ مُعامَلةَ شَخصِ ما على أنَّهُ فاسِدٍ على سَبيلِ المِثالِ، حَتّى و إن لَم يَكُن فَسادُهُ مُبالَغًا فيهِ يَصنَعُ مِنهُ فاسِدًا، و حَتّى إن كانَ كُلُّ إنسانٍ وُلِدَ بِداخِلِهِ الخَيرَ والشَرَّ و هوَ مَن بِيَدِهِ إطلاقِ سَراحِ أيًّا مِنهُما. فَأحيانًا يَكونُ الأشخاصُ المُحيطونَ بِهِ عامِلًا مؤَثِّرًا في إطلاقِ سَراحِ الشَرِّ بِداخِلِهِ، فَمُعامَلةِ الآخَرينَ لِشَخصٍ ما أنَّهُ شِرّير تَزيدُ الخَيرَ بِداخِلِهِ يأسًا و تَزيدُ عَقلَهُ الباطِن اقتناعًا أنَّهُ كَما يَراهُ الناسُ، مِمّا يَجعَلُ مِنهُ شريرًا في النِهاية، و العَكسُ صَحيح -اقرأ في نَظَرياتِ التأكيدُ السُلوكِي- و رُبَّما صَدَّقَ على ما ذُكِرَ نَظَريةُ “الأكذوبة الكَبيرة” التي حَكى عَنها “جورج أورويل” في روايته “1984” و التي تُثبِت أنَّ الإنسانَ إذا رَأى وسَمِعَ أُكذوبةً ما مِرارًا و تِكرارًا و رَأى إيمانَ كُلَّ مَن حَولِهِ بِها صَدَّقَها لا إراديًا، إلا إذا قاوَمَها و أقنَعَ نَفسَهُ بالمَنطِق أنَّها أُكذوبة.

 

كُلُّ فاسِدٍ أو إرهابيٍّ غالِبًا ما يَكونُ نِتاج اقتِناعِهِ التامِّ بِأنَّهُ يَفعَلُ الصَوابَ، الذي يؤمِنُ أنَّ مَن يُخالِفونَهُ في الرَأيِ لَم يُحيطوا بِهِ خُبرَا، أولِأنَّ آخَرونَ أقنَعوهُ داخِليًا بِأنَّهُ كَذلك -و هو مَن آمَنَ بِما قالوا سَذاجَةً مِنهُ- أو لِأنَّهُ يُعاني مِنَ اضطِرابٍ نَفسيٍ حاد. عَناصِر عِدّة تُوَفِّرُ فَرَصًا لِخَلقِ الإرهابيينَ مِنَ اللا شَيء، كالتَفرِقة العُنصُرية والتَنَبّؤاتِ المُحَقِّقة لِذاتِها وخِلافُه. فَهُناكَ أُناسٌ يُحَدَّدُ لَهُم مُستَوى ذَكائهُم و مَدى قُدرَتِهِم على النَجاحِ مِن آخَرونَ يَقولونَ تَنَبّؤاتٍ لا يُلقوا لَها بالًا، و لِمُجَرَّد أنَّ المُستَمِع صَدَّقَ أنَّ المُتَكَلِّم هوَ مُتَنَبِّئٌ حَق، كُسِرَت أحلامٌ وآمَنَ البَعضُ أنَّهُم أَقَلُّ مِمَّن حَولَهُم، لاعِبينَ دَورًا بِطَريقةٍ أو بِأُخرى في صِناعةِ إنسانٍ شِرّير.

 

 

الإرهابيُّ بِطَبيعةِ الحالِ تنشأُ بِهِ طاقة كَراهية تَكونُ لَهُ وَقودًا لِلإفسادِ في الأرضِ وغالِبًا ما يَنشأُ عَلَيها، و أَحَدُ آفاتِ أُمَّتنا المُسَبِّبة لِلكَراهية هي العُنصُرية. مِن أشكال الازدِواجية التي يَراها شَعبُنا مَنطقية هي الإزدِواجية في الحُكم على العُنصُرية. فَالكَثيرونَ يَرونَ أنَّ الغَربَ لَيسوا بِكامِلِ صورِ التَحَضُّرِ لِأنَّهُم يَضطَهِدونَ العَرَب في بِلادِهِم. دونَ أن نَتَطَرَّق لِصِحةِ هذا الادِّعاء دَعنا نَفتَرِض أنَّهُ صَحيح. فَما بالُ مُجتَمَعٍ يُعامِلُ غَيرَ المَصريينَ كَأنَّهُم قادِمونَ مِن كَوكَبٍ آخَر، وعامَلَ البَعضُ مِنّا إخوَتَنا الذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهِم في سوريا بَحثًا عَن رِزقٍ هُنا، بِأنَّهُم قادِمونَ ليُقاسِموا مَحدودي الدَخلِ في رِزقِهِم. بِالمَنطِقِ الذي سَتُبطِل بِهِ عُنصريةَ المِصريين مَع غَيرِهِم مُجادِلًا أنَّ مَن يَضطَهِدونَهُم هُم قِلّة، هو نَفسُ المَنطِق الذي يَنفي عُنصُرية الغَرب ضِد العرب. العُنصرية داءٌ سَقيمٌ بِهِ كُلُّ امرئٍ سَطحي، و ما أكثَرُهُم هُنا.

 

نَرى بالمُجتَمَعِ المِصري الازدِواجية في أَزهى صوَرِها، فَنَحنُ نَرفُض و رُبَّما نَتَهَكَّمُ على اليَهودِ لِإيمانِهِم بِأنَّهُم شَعبَ اللهِ المُختار، ومَن دونَهُم سَيَدخُلَ النار. كَما قالَ بِلال فَضل: “مَن هو الأبلهُ الذي يَتَصَوَّر أن اللهَ خَلَقَ مِليارات البَشَر لِكَي يَلعَبوا دَورَ الكومبارس في تَمثيلية مَشهَد النِهاية فيها أن يَدخُلَ مُتَّبِعي ديانة واحِدة فَقَط إلى الجَنّة”.لَكِن تَمَهَّل لِبُرهَة و فَكِّر ما رَأيُكَ أنتَ في مَصيرِ مَن لَم يَتَّبِعُ عَقيدَتَك؟

مَنطِقيًّا دونَ الحَديثِ عَن عَقيدةٍ بِعَينِها،  أيّ فِعلٍ بِهِ (كُره) أو عِدوانية ليس مِن عَقيدةِ الله، فالله الرَحيمُ الذي أَحَبَّ عِبادَهُ لَن تَحمِل آياتُ كِتابهُ المُقَدَّس أمرًا فيهِ عِدوانية. و إن ادَّعى أحَدَهُم وجودَها فإمّا تَكمُنُ الإشكالية في فَهمِهِ لِلنَصِّ ذاتُه، أو كَمُنَت في النَص.

 

اللهُ الَذي أجمَعَت العَقائِد أنَّهُ خَلَقَنا لِغايةٍ سامية لَم يَأمُركَ أن تُخرِجَ أَحَدًا مِن أرضِهِ أو أن تَقتُلَ فاسِقًا لَم يُطرَد مِن رَحمةِ الله. رُبَّما نَجَحَ بَعضُ المُتَطَرِّفونَ في نَشرِ أفكارٍ باسمِ الدين استِغلالًا لِجَهلِ المُجتَمَع بِدينِه. و مِن أساليبِ نَشرِ الكراهيةِ على صَعيدٍ آخَر فَهوَ إقناعِ شيعة مِنَ المُجتَمَع أنَّهُم مُضطَّهَدون مِن بَقيةِ المُجتَمَع، فَيُنشئوا أولادَهُم أنَّهُم مُضطَّهَدونَ مِمّا يَجعَلُ أجيالًا تَعيشُ مؤمِنةً بِأنَّ بَقيةُ المُجتَمَعِ (أعداءٌ) لَهُم. بينما يَنشأُ المُجتَمَعُ أنَّ تِلكَ الشيعةُ لَيسَت مِنهُم و أنَّهُم القِلّة الفاسِدة. وحَصيلةُ هذِهِ الطائفيةُ حَربُ بارِدة على مَرِّ الأجيالِ في نَفسُ المُجتَمَع، حَربٌ تَزِد المُجتَمَعُ فُرقةً في مَصلَحةِ مَن يُريدُ أن يَسُد.

 

أَضِف إلى كُلِّ ذلكَ أنَّنا كَمُجتَمَعٍ فاشِلونَ تمامًا في التَعامُلِ مَع الإرهابيينَ و المُفسِدين. سَمِعتُ ذاتَ مَرّةٍ رَجُلًا حَكيمًا يَقولُ “لَم يُرسِلَ اللهُ رَسولاً مِن قَبل لِشَعبٍ مُؤْمِن، و لَم يَأمُرَ اللهُ رَسولاً مِن قَبل أَن يُصلِحَ الكَوكَب بِقَتلِ كُلِّ الكُفّارِ الذينَ لَم يَكونوا عَلي دِرايةٍ بِبُطلانِ قَناعاتِهِمُ التي زُرِعت فيهِم” فالفِكرُ الإرهابي يُحارَبُ أَوَّلًا بِمُعالَجةِ حامِليهِ بِالمَنطِقِ و إعادةِ تأهيلِهِم نَفسيًا، لا بِقَتلِهِم وسِفكِ دِمائِهِم الذي يُوَلِّدُ إرهابيينَ أكثَر. فَمَن يُفَجِّرُ نَفسَهُ وَسَطَ مَدَنيينَ هوَ مُختَلٌّ فِكري إلى حَدٍّ أقنَعَهُ أنَّهُ بَعدَ قّتلِهِ لِمئاتِ الأبرياءِ سَيَدخُلَ الفِردَوسَ الأعلى ظَنًّا مِنهُ أن هذا مِنَ الجِهاد. الإرهابيُّ في النِهاية بَشَرٌ مِنَ المُمكِنِ إعادةِ تأهيلُه، و لَو عومِلَ بِعُنفٍ فَماذا تَتَوَقَّع مِن طِفلٍ قيلَ لَهُ في مَهدِهِ أنَّ هَذا المُجتَمَعُ الفاسِد كانَ السَبَبَ في مَقتَلِ أَبيه على سبيلِ المِثال؟

إجمالًا، صِناعةُ الإرهابِ جَريمةٌ نُدانُ عَلَيها جَميعًا كَمُجتَمَع بِشَكلٍ عام، فَالإرهابيُّ لا يُصنَعُ بِسَبَبِ قَناعاتٍ زُرِعَت في أشخاصٍ أو إضطرابٍ نَفسي فَقَط، فَمِنَ المُمكِن أن يَكونَ بِتَوَقُّعٍ أو بكَلِمَةٍ لَم يُلقي لَها بالًا غَيَّرَت مَعالِمَ حياة إنسانٍ ونَصَرَت الشَرَّ بِداخِلِه. والمَجنيُّ عَلَيهِ لَن يَكونَ مَن يَدفَعَ الثَمَنَ، فَمئاتِ الأَبرياءِ هُم مَن يَدفَعونَ أرواحَهُم ثَمَنَ جُرمِ شَخص واحِد.

 

لِلحَدِّ مِن صِناعةِ الفاسِدينَ أو إجتِنابِ أن نَكونَ مِنهُم أولًا عَلَينا أن نُدرِكَ أنَّ الفاسِدَ لَم يُخلَق فاسِدًا، و أنَّنا لَسنا أفضَلَ مِنهُ لِلحَدِّ الذي يُطَهِّرُنا مِن المَعاصي و يُجَرِّدُهُ مِنَ الفَضيلة. كُلُّنا نُذنِب، فالتَقَلُّب بَينَ الإذنابِ و الإحسانِ هو ما يَجعَلنا بَشَرًا، لِذا فَمِنَ الاستِقامةِ أن تَكرَهَ الذَنبَ و لَيسَ المُذنِب. التَخَلُّص مِن الإرهابِ يِبدأُ بِالتَخَلُّصِ مِن وَقودِهِ الذي يَكمُن في العُنصُرية و الطائفية واتِّباعِ إرثِ المفاهيمِ المَغلوطة كَمُسَلَّماتٍ دونَ التَفَكُّرِ فيها. فَإذا جَرَّبتَ حَظَّكَ في التَنَبّؤاتِ فَلِتَتَوَقَّع خَيرًا أو لِتَصمُت، وكُن أنتَ مَن يؤمِنُ بِأنَّ الخَيرَ بِنا فِطرة، فَعامِل الآخَرينَ بِفِطرَتِهِم الحَسَنة فَلا تَدري أيُّ كارِثةٍ قَد تَمنَعها، أو أَيُّ شَخصٍ نَمى بِهِ فِكرٌ إرهابي قَد تُغَيِّرَ مَسارَ حياتِهِ فَقَط لإيمانِكَ بِفِطرَتِهِ الحَسَنة.

 

[media-credit id=518 align=”alignnone” width=”500″][/media-credit]