فَن صِناعةُ العُظَماء

رَبطًا لِلخُيوط، أُولئكَ الذينَ سُلِّطَت عَلَيهِم أضواءُ الشُهرة لَم يَكُن المالُ غايَتهُم بِالمَقامِ الأَوَّل، بل ما دَفَعَتهُم في البِداية هيَ الرَغبة الغَريزية بِداخِلِ كُلُّ امرءٍ مِنّا في أن يُذكَرَ بَعدَ مَوتِه



تحرير: أحمد توفيق وزينة إيهاب.

 

أَتَمَنّى أن يُقرَأَ هذا المَقال في المُستَقبَلِ عِندَما تَسْلِبُ الأضْواءُ الإعلامية الشُهرة و التَعظيم مِن “كيم كارديشين”، وبَرامِجُ الـ”توك شو” التي يَتَفانى مُقَدِّموها في الثَرثَرة الفارِغة، و مُسابَقاتِ المَواهِبِ المُتَواضِعة التي تَكشِفُ السِتارَ عَن تَدَنّي مُستَوى الثَقافة و الإبداع بِشُعوبِنا.

أتَمَنّى عَزيزي القارئ أن تَقرأ هذا المَقال و قَد مَنَحَ الإعلامُ أوسِمَة العَظَمة -الوَهمية- لِفَنّانينَ حامِلي ثَقافةٍ، لا دُمىً تُنَجَّمُ فَقَط لِأنها تُقَدِّمُ ما يُرضي المُشاهِدون و إن تَدَنّى ما يُرضيهُم. و رُبَّما يَحيا بِيَ الأَمَلُ في مُستَقبَلٍ أفضَل لِأُمِّ الدُنيا تارةً أُخرى إن اقتَطَعَت البَرامِجُ التلفزيونية اليومية جُزئًا مِن أحاديثِها المِحوَرية عَن مقاطِع “فيفي عبده” على وسائل التواصل الإجتِماعي، و إستِضافة خُبَراءِ التَجميل، و الحَديثِ عَن نَظَريات المؤامرة والبروتوكولات التي تَستَهدِف و تَتآمر على بَلَدٍ ناميٍ، عَليهِ ما عَليهِ مِن الدِيونِ و تِلكَ الأحاديثِ الشَيِّقة، بِنَبذةٍ عَمّا تَوَصَّلَ لَهُ “بيتر هيجز” و “إروين شرودينجر” مِن إكتِشافاتٍ غَيَّرَت مَفاهيمَنا عَن العالَم، أو إعطاءِ مِنبَرًا لِلمُبدِعين مِن المُغَنيينَ و الموسيقيينَ الذينَ لَم يَجِدوا داعِمًا، أو الكُتّاب الذينَ لَم يَنساقوا وراءَ ما تَطلُبُهُ دورُ النَشرِ مِن مُحتَوىً هَشٍ يُرضي القارئ ذا الفِكر المَحدود.

 

أتَمَنّى أن تَكونَ مِن جيلٍ عادَت فيهِ مَفاهيمُ القُدوةِ إلى نِصابِها، في زمانٍ غيرَ زمانيَ الذي جَفَّت بِهِ أنهارَ الإبداعِ وتَقديرِ العَباقِرة، تِلكَ الأنهارُ التي كانَت تَفيضُ حضارةً في عَهدِ أسلافي.

رَبطًا لِلخُيوط، أُولئكَ الذينَ سُلِّطَت عَلَيهِم أضواءُ الشُهرة لَم يَكُن المالُ غايَتهُم بِالمَقامِ الأَوَّل، بل ما دَفَعَتهُم في البِداية هيَ الرَغبة الغَريزية بِداخِلِ كُلُّ امرءٍ مِنّا في أن يُذكَرَ بَعدَ مَوتِه، جَميعُنا يُريدُ أن يَترُكَ إرثًا يَتَحاكى عَنهُ الناسُ و يَفتَخِرُ بِهِ أحفادُه، جَميعُنا يَبتَغي العَظَمة. مُنذُ أَن عَرِفَ البَشَرُ سَردَ الرِواياتِ و تأليفَ القِصَصِ عَنِ الأساطير، أَحَبَّ الناسُ أَن يَرَو أمامَهُم بَطَلًا مِن تِلكَ الأساطيرُ أمامَهُم في الواقِع الذي يَخلو مِن البَشَر حامِلي صِفاتِ الكَمالِ. و لِأنّ الأذكياء يَعلَمونَ كيفَ يُوَجِّهونَ مَشاعِرَ الناس، عَظَّمَ الإعلامُ إما مَن أرادَ أو مَن أرادَت القياداتُ أن يُعَظَّموا أو مَن يَدفَع أَكثَر.

جَعَلَت الـ”ميديا” شيعةً مِنَ المُجتَمَعِ لا يَفقَهُ أغلَبُهُم حديثًا ولا نوعًا مِن أنواعِ الحِكمة، أبطالًا قَوميون  وأمثالًا عُليا بينَ الشباب، فَقَط لِقُدرَتِهِم على اللعِب بِكُرةِ القَدَم و تَنفيذِ تَعليماتٍ لِخطّةٍ ما مع الحِفاظ على مُستواهُم البَدَني والتَدريبِ المُستَمِر. أحتَرِمُ عِشقُكَ للساحِرةِ المُستَديرة، لكن شئتَ أَم أَبَيتَ فلاعِبي الكُرة هُم أدواتٍ بَخسة لِتِجارةٍ كَسبُ مُديروها يَصِلُ إلى حَدٍّ خيالي.
فاللاعِبونَ  يَعيشونَ في رَفاهيةٍ مُبالَغٍ فيها مُنفِقينَ ما يَحلو لَهُم، بينما يُجاهِدُ المُواطِنُ الكادِح لِكَسبِ عَيشِه، و تَرفيهًا عَن حياتِهِ العَصيبة يُتابُعُ مُبارَياتِهِم، ويُمَجِّدُ في “لاعِبي كُرة قدم” دونَ أن يَشعُر، بِبَساطةٍ لِأنَّهُم أصبَحوا المَصدَر الوَحيد لِلبَهجة في حياتِه.

 

و على صعيدٍ آخَر أصابَت ال”ميديا” جيلنا بِداءِ السَطحية المُفرِطة، فَالآنَ تَرى البَطَلَ العَظيم في التِلفازِ شَخصًا مَفتولَ العَضَلاتِ بالِغَ الوَسامة، و ذاتَهُ الذي يُنقِذُ البَشَرية مِن بَطشِ الأشرار مَع اتِّسامِهِ بالحِكمة. و المرأة المِثالية أصبَحَت امرأة فاتِنةُ الجَمالِ ذات قوامٍ فَريدٍ جَذّاب، و هي ذاتَها المرأة المُستَقِلّة ذاتَ الشَخصية الجَذّابة، و كَما يَظهَرُ في أيِّ عَرضٍ درامي فَكُلُّ النِساءِ يَظهَرنَ بِنَفسِ مُستَوى الجَمال. رَسَمَت ال”ميديا” الصورة المُثلى لِلجَمالِ و الوَسامةِ في أذهانِنا حَتّى أصبَحنا نَبحَثُ عَنها في الواقِع، لَكن لِخُلوِّهِ مِن ذاكَ السراب أصبَحَ الكَثيرُ يَسعى لِلتَشَبُّهِ بِه. فَتِلقائيًا أصبَحَ المَرءُ يَحلُمُ إما أن يَكونَ مِثلَ الشَخصيةِ التي يَلعَب دورها المُمَثِّل، أو أَن يُصبِحَ مُمثِّلًا يَقتَدي بِهِ الناس.أصبَحنا نَحكُم على الآخرين بِمَدى قُربَهُم مِن الصورة المُثلى لِلكَمال، حَتّى نَسينا أنَّنا بَشَرٌ بِنا مِنَ القُبحِ كَما بِنا مِنَ الحُسن. والنُضجُ الفِكري يَبدأُ بِإدراكِ المَرء أنَّ أبطالَ الميديا ما هُم إلا وَهم.

 

و الحَقُّ أن هذا الأُسلوب في صِناعةِ سادةِ المُجتَمَع أو تَوجيهِ الذوقِ العام مُتَّبَع حَتى قَبلَ أن تَظهَر ال”ميديا” كَما نَعرِفها الآن، فَالمَسرَح و كُتُب التاريخ كانا ضِمنَ الأدواتِ التي تَغسِلُ عَقلَ المُواطِن على المَدى القَصير، والأجيالِ على المَدى البعيد. و الفاعِلُ هو ذاتُه، مَن يَمتَلِكُ بَلاغةَ اللِسان فَيُوَجِّهُ عُقولَ الشَعب، أو المُؤتَمَن على تَدوينَ الأحداثِ، أو مَن يُهَيمِنُ على الفَن. رُبَّما ساهَمنا جَميعًا في إعطاءِ ال”ميديا” الأحَقّية في فِعلِ ذلك حَتى و لو بالصَمتِ الآثِم. و لِأَلّا أكونَ مُدَّعيًا على المُؤَرِّخين لِمَ لا نَذكُرُ مَن اقتَرَنَت بِهِ العَظَمة ما ذُكِرَ اسمه؟

 

الإسكَنّدَر الأكبَر أو الأعظَم لُقِّبَ بِهذا اللقَب لِأنَّهُ القائدُ الذي حَكَمَ أغلَب شُعوبَ العالَم المَسكون آن ذاك و حارَبَ على جوادِهِ السِحري، والذي أمطَرَت لَهُ الصَحراء لِكَي يَقضيَ على أعدائهِ -كَما وَصَفَهُ الأُدَباءُ القُدامى والمُؤَرِّخون- ويَترُكَ العالَم مَكانًا أفضَلَ و أكثَرَ عِلمًا -أو هَكَذا مَا أَرادَ بِبِنائهِ مَكتَبةُ الإسكندرية- لَكِن لِأنَّ الفائز دائمًا هو مَن يَكتُب التاريخ، فَكانَ هذا ما صَوَّرَهُ لَنا مؤَرِّخي الإسَكنّدَر الأكبَر، فَتَناسَينا أنَّهُ كانَ بِطَريقةٍ أو بِأُخرى كَأيِّ إمبِراطورٍ مُتَوَسِّع، قاتِلٍ سافِكٍ لِلدِماءِ مُخرِجٌ للرِجالَ الأحرارِ مِن ديارِهِم مُتَّخِذًا مِنهُم (مُرتَزَقةً وعَبيدًا)، ومُتَّخِذًا مِن نِسائِهِم الشُرَفاءِ جوارٍ. فَكَيفَ أصبَحَ عَظيمًا؟ سأزيدُكَ مِنَ الشِعرِ بَيتًا، عَقِبَ ألفِ عامٍ بَعدَ مَوتِه قامَ نابوليون بونابارت بِغَزوِ مِصرَ اقتِداءً به. و حَتّى قَبلَ نابوليون كانَ الإسكَندَر مَعبودًا مِنَ الرومان خِصّيصًا في عَهدِ القائد الروماني “پومپي” و لَقَّبَ نَفسَهُ بِـ”پومپي الأعظَم” أملًا في أن يَكونَ خَليفَتُه.

 

باختِصار، الإسكَنّدَر كانَ عَظيمًا لِأنَّ هُناكَ أُناسٌ آخَرونَ قَرَّروا أن يَجعَلوا مِنهُ عَظيمًا واعتَبِروا كُلَّ أفعالهُ عَبقَرية بل وألَّفوا عَنهُ قِصَصًا خَيالية تَزِدهُ عَظَمة.

بالطَبعِ كانَ قائدًا عَسكَريًا مُحَنَّكًا و غَزى أعظَمَ المَمالِك، لَكِن ما شأنُ هذا بِأن يُلَقَّبَ بالأكبَر؟

نَحنُ مَن صَنَعنا عَظَمةَ الإسكَنّدَر كَما هو الحال في عَصرِنا الحالي، كما نَفعَل مع أشخاصٍ نُبدِ لَهـم إحتِرامًا مُبالَغًا فيهِ و نُحاوِلُ تَقليدَ أفعالِهِم بِدايةً مِن قَصّةِ شَعرِهِم مرورًا بِإتِّباعِ أفعالِهِم وتَرديدِ مَقولاتِهُم و إلى تَطويعَ مَشاعِرِنا لِنُحِبَّ ما يُحِبّون وصولًا إلى إعتِبارِهِم فَتى أو فَتاة أحلامِنا.

 

التاريخُ و الإعلام صَوَّروا لَنا الأشخاصَ العِظامِ بِأساليبٍ تَفَنَّنوا بِها، و حَفَروا لَهُم صورةً في أذهانِنا، وبالطَبعِ نَجَحوا في إرغابِ أغلَب الناسِ بِأن يَكونوا مِثلَهُم وإن كَلَّفَنا الأمر التنازُل عن مَبادئِنا التي جَعَلَت مِنّا أشخاصًا عاديين واعتِناقِ مَبادئِهِم التي جَعَلَتُهم عُظَماء.

نَحنُ مَن نُقَرِّر بُماذا نؤمِنُ و أَيُّ مَبادئٍ هيَ أَقوَم أن نَتَّبِعَها. نَحنُ مَن نُقَرِّرُ أن نَهتَمَّ بِأشياءٍ ومَواقِفٍ بَل وأشخاصٍ بِعَينِهِم. نَحنُ مَن مَنَحنا لِفُقّاعةِ ال”ميديا” السُلطة لِتَعظيمِ مَن تشاء و ذِكرِ مَن تشاء، فَنَحنُ أيضًا مَن نَملِكُ سُلطة التَحقير مِما تُعَظِّمُ ال”ميديا” بِإعمالِ عُقولِنا و مُحارَبةِ وإفسادِ الأفكارِ التي تَسعى لِترسيخِها.  الإسكَنّدَر أو مارلين مونرو أو غَيرِهِم لَن يَتَثَنّى لَهُم أَن يُحَقِّقوا أطماعَهُم الغَرائزية لِلعَظَمة وَحدَهُم دونَ أن تُصَدِّقَ أنتَ على عَظَمَتِهِم. لِذا خِتامًا قَبلَ أن تَنشُرَ شيئًا بِإسمِكَ -وإن كانَ على سَبيلِ المُزاح- فَليَنظُر كُلُّ إمرءٍ مِنكُم مَن يُعَظِّم.