قفزة الثقة – ١

كانت مدة العطلة التي استطعت استخلاصها من العمل في هولندا بإحدى الجرائد، هي أسبوعان، ولم يكن لدي الاستعداد لإضاعة يوماً واحداً منها



تحرير: آريج وائل وندى عمر.

 

الزمان: الساعة العاشرة صباحاً.

المكان: مطار القاهرة الدولي.

     كانت مدة العطلة التي استطعت استخلاصها من العمل  في هولندا بإحدى الجرائد، هي أسبوعان، ولم يكن لدي الاستعداد لإضاعة يوماً واحداً منها.

 

       أجرّ خلفي حقيبة سوداء كبيرة أنهكت ذراعي، ويكاد كتفي يتمزق تحت وطأة حقيبة اليد الثقيلة، ولكني ومع هذا أنظر إلى الأمام  بعين دامعة و متفائلة في الوقت ذاته. لم يبق أمامي إلا عبور آخر بوابة تفصلني عن بداية رحلتي إلى القاهرة، القاهرة التي ابتعدت عنها لمدة خمسة وعشرون عاماً وها أنا ذا ألبي نداء أشواقي وأمر بالبرد والسلام للهيب غيبتي.

  

      كانت رحلة الخمس ساعات شاغرة بالخطط وترتيب الأولويات لزيارة أماكن بعينها في القاهرة. آمنت بقوة النداهة وذهبت ضريراً ورحت أخط بيدي أول أيامي وثانيها وثالثها إلى أن أتممت جل أيام العطلة. فحُجز الأول لمقام سيدنا الحسين في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لا لأسباب دينية إطلاقاً فأنا لا أعلم كيفية الصلاة ولكن لما لمقاهيه في نفسي وذاكرتي، فلم أتواني في أن أجعله ناصيتي. ثم وجدت نفسي اخنق القلم بين اصابعي وأكتب “النيل” بخط كبير لا يخطئه الضرير، وبذلك ثبت قصدي على مقهى على النيل في اليوم الثاني. ثم وبدون تفكير، عقدت العزم على أن يكون هناك يوماً واحداً على الأقل، يوماً تحررياً لأنزل إلى وسط البلد، أتجول و أجوب شوارع مصر وأختلط بالمصريين وأخالطهم.

 

       وقَفتْ بي سيارة الأجرة أمام البوابة المفضية إلى ساحة مسجد الحسين في حدود الخامسة عصراً. ترجلت وقلبي يخفق بجوهر أتذكره جيداً ولكنه مليء بالرتوش والزيادات والمنغصات. بدأْتُ رحلتي وأنا أرتقي بجبهتي إلى الأعلى حيث يوجد مئذنة المسجد الباسقة التي خطفت أنظاري لمدة دقيقة وإذا بي أسمع صراخ امرأة تستغيث من لص فتنقلب الساحة إلى سباق عدْو والجميع يركضون خلف بعضهم. نفضت ذهني سريعاً واتجهت إلى كعبتي المقدسة التي شهدت لقاءات أصدقائي القدامى، وكانت تلك الكعبة هي مقهى بيت السحيمي.

 

       اتخذت كرسياً وطاولة صغيرين و جلست استعدادا لليلة مليئة بالذكريات البعيدة، والأصدقاء الذين أضحوا غرباء. فور جلوسي طلبت شاياً بالليمون وجاءني في آنية مزخرفة خضراء مبهجة ولكنها لم تبهجني مثلما أبهجتني تلك الفرقة التي أخذت تنشد “قمرٌ سيدنا النبي” فجعلت رؤوس كل من بالمقهى تتمايل وتسكر تحت وطأة عذوبة الصوت، وحالما انتهوا من الغناء عبق المكان بشذى المسك الطيب وملأ الأنوف والعقول ومن ثم بدأ بعض الشباب مناقشة حادة كانت تنذر بعاصفة مواتية.

  • تعرف إن صاحبك ده رأسمالي، كنت في البيت عنده امبارح ولقيت في مكتبته رأس المال وبيان الحزب الشيوعي.
  • و الله؟
  • إسأله.

أدار وجهه لزميله المقصود وقال

  • أنت يبني ليك في كارل ماركس وفريدريك إنجلز والكلام ده؟
  • آه يا أخي مالهم؟ دي ناس كانت عايزه العدل يسود.
  • يبني دول اشتغلونا، الخطأ في التطبيق وليس في النظرية.
  • أيوه طبعاً.

فإذا بشخص رابع يدخل في المناقشة بلا إستئذان وأخرج من جيب معطفه كتاب صغير لم ألحظ له عنوان ولا اسم مؤلفه على الغلاف.

  • ولما في عيب في التطبيق، طب ما تطبقوا ده (وأشار إلى ذلك الكتاب) ما يمكن يا أخي يخلّصنا من اللي إحنا فيه.
  • يا عم الشيخ النظريتين دول مينفعش نقارنهم ببعض، دي حاجة ودي حاجة تانية خالص.

فمن ثم دخل على الخط شخص خامس وسادس وسابع.

  • وما لهم جان جاك روسو وسارتر يا جماعة. ما نشوف الجديد يا ناس.
  • بمناسبة الجديد، فين شوبنهاور ونيتشه.
  • يا جماعة هنفضل نتخانق لحد إمتى. اللا إنتماء هو الحل.

    أخذوا في ذاك النقاش الحاد إلى أن بدأ أحدهم المعركة ثم انقلب المقهى إلى حلبة مصارعة وضج المكان بالشتائم والسباب مما حملني على ترك المكان سريعاً من الضجر في نهاية.