ثلاثة أيام تكفي – الجزء السادس

أدركت أنه أسوأ أزمان مصر في تاريخها، لم تصل مصر إلى تلك العين الحمئة من قبل في التاريخ وبعد لم يشعر المصريون أنهم خارج أتون الحضارة. دارت رأسي وشعرت بمدى الدوّامة وعمق البالوعة واتساع



     اليوم الخامس، يومي الحر، قررت النزول حراً إلى الشوارع، إلى الأسواق، إلى الناس. اكتريت صحيفة من الفندق وأخذت أطالعها وأنا في طريقي في سيارة الأجرة إلى وسط البلد، لاحظت أن اليوم، هو يومٌ غير عادي، فاليوم هو عيد الأم، ٢١ مارس، تورد خداي وأخذتني البهجة لأن هذا العيد بالطبع سيحمل معه الإبتسامات، والورود وكل جميل تحبه العين.

 

       ترجلت من السيارة، وهتفت بكشك قريب مني ” أريد ماءاً” حصلت على الماء وهممت بالذهاب عن الكشك، فإذا بي أسمع شخصاً يحاور البائع وخرجت منه جملة استوقفتني بعض الشئ. قال الرجل “عيب اللي إنت بتقوله ده، أنا مستحيل أكذب، يا راجل إنهاردة عيد الأم، ينفع أكذب فيه، ليه؟ مبخافش ربنا” كانت جملة غريبة ووقعها أوضح لي الكثير من الدلالات، كيف لشخص مصري أن يكون على ذاك المستوى من التخلّف. ألم يدري ذلك الرجل أن هيباتيا كانت في مصر، ألم يدري أن الكنيسة المصرية كانت منارة الكنائس يوماً، ألم يدري أن جلال الدين السيوطي كان يعيش في مصر من خمسمائة عام فقط. ألم يعلم أن محمد عبده كان يعيش في مصر من مائة عام فقط. سألت نفسي لما هذا التدني ولم أصبحت مصر مسخاً، لا الوطن القديم الذي أعلمه وأتذكره جيداً، صعقت لمسمعي ورفضت الإقتناع وقررت الفصح عن منغصات الطريق واستمرار مقصدي كما هو.

 

       تركت قدمي تقودني إلى ما تحب هي الذهاب إليه، قبلت قدمي ولكن نفسي أبت، لم تكن مصر هي مصر التي في مخيلتي، لم أر ما يسرني، لم أهتدى إلى ما تحبه نفسي، لم أر جمال وجلال مصر، لم أر غير ضجيج الزحام وسباب المارة، لم أر في السينمات ثقافة، لم أر في المساجد والكنائس ألفة، لم أر مصر الفرعونية الهيرودوتية القبطية الإسلامية الفاطمية العثمانية الملكية، رأيت هماً على الوجوه، رأيت تعباً من الحياة، رأيت يأساً لا أمل، رأيت موتاً لا إنعاشاً، لم أر في المقاهي نجيب محفوظ، لم أر في المكتبات طه حسين، لم أر في المسارح إسماعيل يس، جننت، حتماً جننت، وأوقفت المارة، أسألهم “أهذه مصر؟”

 

     تساءلت وقدماي ما زالتا تسيران على خط مستقيم تغازل إحداهما الأخرى وأنا ملهىّ أحاول التفسير وفك شفرة هذا الوطن الذي يضن عليّ بتاريخه. أينما أولّ وجهي في شوارع وسط البلد أجد القمامة متراكمة، أجد القطط والكلاب تشاطر الناس الشوارع، أجد المتسول الذي يبيع ويظهر عاهته للمارة كي لا يشَك فيه أنه مخادع، أجد كتباً ملقاة على الأرصفة، أجد تلاميذاً لا يتتلمذون، أجد تحرشاً، أجد سرقةً، أجد جهلاً، أجد فقراً، أجد عشوائيات، أجد اقتصاد بلا اقتصاد، أجد علم بلا علم، أجد عمل بلا إنتاج، أجد مقاهي بلا فلاسفة، أجد حاوي بلا ثعبان، أجد نبياً بلا نبوة وأجد مسئولين غير مسئولين ولا يسئلون عما يفعلون. أدركت أنه أسوأ أزمان مصر في تاريخها، لم تصل مصر إلى تلك العين الحمئة من قبل في التاريخ وبعد لم يشعر المصريون أنهم خارج أتون الحضارة. دارت رأسي وشعرت بمدى الدوّامة وعمق البالوعة واتساع المتاهة وأظلمت معابد الدنيا.
    لم يدر بخلدي بعد تجربتي المريرة تلك في شوارع وسط البلد اللعين غير شئ واحد فقط. ذهبت من فوري إلى شركة الطيران الخاصة بي، أخذت رقماً وانتظرت دوري وعندما واجهت الموظف صرخت فيه قائلاً “ألم تكن ثلاثة أيام تكفي؟”