ثلاثة أيام تكفي – الجزء الخامس

صعقت لمسمعي وذهلت لقول الرجل عندما أدركت أنني أُسرَقُ كل يوم، مصر تسرق كل يوم، أليس من خير في هذا البلد! كيف لمصر، ممتلكة الأزمان وكعبة الكهان، أن تنهب في أغلى ما تملك. إنهارت



تحرير: آريج وائل وندى عمر.

     داعبت خطوط الشمس النورانية خدي على استحياءٍ من وراء ستار غرفتي بالفندق عندما اعتلت الشمس كبد السماء ونصبت نفسها إلهاً فوق جميع مخلوقات الأرض التي تنهل منها روح الحياة وسر النجاة وطاقة الأمل لأمثالي من المستضعفين في الأرض أو بالأخص، المستضعفون والمغلوبون على أمرهم في القاهرة. وأخذت أتساءل حال استيقاظي من سباتي المؤلم بعد ليلة ساهرة في سوق خان الخليلي وحول محاله ومقاهيه، تساءلت، أكلُّ من قصد القاهرة من قبلي من العالمين غمّتْه مثلما أكابد الآن تعاسةً في عطلة آثرت فيها وطني القديم، حبيس ذكرياتي التي لم يعد لها وجود في القاهرة اليوم؟ ما كنت قاصداً القاهرة وأنا أنتظر قطعة أوروبية أو متوقعاً أسكندرية هيرودوت القديمة فلم تكن القاهرة على عهدي بها كذلك، كان في زماننا القديم ما يسوءها أيضاً، لم تكن وطناً بلا أمية أو وطناً بلا سرقة، كلا، أما المعضلة في هذا الزمان هي أن المتعلم أميّ  والسارق لا يندم والفاسد لا يعود والمسئول لا يأبه أو يكترث. تساؤلاتي الصباحية هذه لم تمنعني من أن أبدأ يومي آملاً أن تظهر البسمة على محيّا المشتاق ويصبح من بعد عسرٍ يسراً.

 

        توجهت رأساً إلى خطتي وطالعتها مع أنني بدأت ألعنها لما فعلت بي من أفاعيل وأرجعتني كل يوم خائب الرجاء، ولكنها اليوم صرخت في وجهي “المتحف المصري” فكأنما تروم تصالحاً وكأن هذا تعويض لما حاق بي من كدر في الأيام الخوالي فآذن اليوم الرابع لبدء اعتلاء السعادة عرش عطلتي. ثم، وأنا في كامل بهجتي لاحظت وجود تمثال بوذا الخشبي الصغير الذي ذكرني بالبارحة وكيف كنتُ في مثل بهجتي اليوم ثم انقلبت أحلامي كوابيس مزعجة، ولكني لم أهتم بالملهيات وسددت بصري على اليوم الذي لا بد أن يدركني من ملماتي وعذاباتي في القاهرة.

   

       ثملت بالنشوة والسعادة بدايةً وأنا في سيارة الأجرة حينما علمت أن المتحف المصري يقع في ميدان التحرير، الذي لم أشهده قط بعد أن أصبح أيقونةً ثورية ومصباح حرية صارخ في البرية، فلم يكن مني إلا أن توجهت إلى الميدان المنشود، ووقفت في منتصفه وشعرت بالبهجة واهتزت أكتافي رهبةً حتى رماني المارة بنظرات ناطقة تتهمني بالجنون.

 

      وقفت وهلةً حينما أصبح المتحف المصري على مقربة مني وبدأت التصوير، فقد رأيت منظراً يضاهي متحف اللوفر الذي زرته مسبقاً ولكني شعرت أن هذا المتحف ملكية خاصة لما يحتوي على تاريخي وتاريخ حضارة كانت قائمة على بلادي من سنين. اكتريت التذكرة سريعاً وتم التنويه على أن التصوير ممنوع فالتزمت وأطلقت لقدمي ولعيني العنان كي أهنأ أخيراً بلذة العطلة. استقبلتني القاعة الرئيسية ببهاء وأبهة فاستشعرت عظمة المكان من أول وهلةٍ حتى أن شذا التاريخ ملأ أنفي وأبهجني، كل ما في المكان أبهجني وخطف بصري وأذهلني فبالفعل أحسست أنني العائش في الحقيقة ودلفت من غرفة إلى قاعة ومن قاعة إلى ممر ومن ممر إلى مصطبة ومن حولي الطابع الفرعوني الأثير متملك. وكنت في أسعد لحظة في رحلتي عندما سمحوا لنا أن نقترب من قناع توت عنخ آمون الذهبي ومن ثم طوّفنا على مجموعة توت عنخ آمون المذهبة التاريخية وكرسي عرشه العريق، وتذكرت قراءاتي القديمة في التاريخ الفرعوني عن توت عنخ آمون وعلاقته بإخناتون، مجنون الإله الواحد الأحد ومستعمر أخت آتون، وأن أخوه كان سمنخ رع، الذي لم يقدّر له العرش، وعلاقته أيضاً بنفرتيتي، سيدة القصر، وأنه جلس على كرسي الإمبراطورية المصرية وهو ابن تسع سنين. فما أمكنني إلا أن أنتشي بالسعادة والفخار ولكني لم أعرف لمَ تحركت يدي لا إرادياً وبحثت عن المتحف المصري على ويكيبيديا كأنها تقودني إلى حتفي، ففوجئت بأرقام مستعرة تحمل مرارة من مثل، إختفاء ٣٨ قطعة أثرية من المتحف ولم يستدل عليها منذ أغسطس ٢٠٠٤، وسرقة ٢٩ قطعة أثرية منذ ست سنوات مضت. توقفت في طريقي من هول الموقف وأخذت عيني تنزلق مجدداً فوق الأرقام الغادرة فاستوقفت أحد العاملين بالمتحف وسألته عن تلك الأرقام المخيفة فما رأيت منه إلا أنه مصمص شفتيه ولم يتأثر كما تأثرت وانهار عقلي على نفسه ثم قال

  • آه يا باشا، ده كل يوم حتة من البلد بتتباع، معلش.

 

معلش!
       صعقت لمسمعي وذهلت لقول الرجل عندما أدركت أنني أُسرَقُ كل يوم، مصر تسرق كل يوم، أليس من خير في هذا البلد! كيف لمصر، ممتلكة الأزمان وكعبة الكهان، أن تنهب في أغلى ما تملك. إنهارت عليّ أعمدة المكان وأنا أدرك الحقيقة البشعة ثم أفقت من ذهولي وأخذت في الركض وأنا في حضرة الفراعنة المنهوبين. استأجرت سيارة الأجرة سريعاً واتجهت بها إلى الفندق ثم دلفت إلى غرفتي وأمسكت بورقة خطتي وكدت أمزقها ولكني تراجعت لمّا لمحت أن الغد هو اليوم الحر الذي كنت أنتظره منذ أن شرقت شمس عطلتي، فأطبقت على خطتي وتوجهت إلى سريري وأنا في غاية الأسى وشعور مختلط ببارقة أملٍ ضعيفة.