ثلاثة أيام تكفي – الجزء الرابع

تأهبت للمغامرة وأخذت نفساً عميقاً وشرعت في التهام كل المحال والدكاكين بعيني. الدكاكين التي تعرض في المجمل تماثيل فرعونية مذهبة ومطعّمة بالياقوت الأحمر والزمرد السماوي ووجدت أيضاً أطباقاً مزخرفة تحمل الطابع الفرعوني والقبطي والإسلامي



تحرير: آريج وائل وندى عمر.


ما زلت في يومي الثالث منذ أن هبطت بي طائرة في القاهرة، القاهرة التي لم ترني إلى الآن إلا كل مزعج، وما زالت مرارة يومي الأول في شارع المعز لدين الله الفاطمي في فمي وما زلت أيضاً أحفظ معاناتي على ظهر قلب في يومي الثاني أمام نهر النيل الذي كنت ألوذ به في سنيّ عمري الماضية وما كنت أعلم أن الخذلان سيصبح قريني عندما أعود متشوقاً متخذاً من أصلي المصري إلهي آمون منتظراً إيزيس وأوزوريس ليزِنوا قلبي ولهم الخيرة.

 

      فزعت من جلستي بعد تجمد أمام جريدة مصرية في كافيتيريا الفندق وأنا مذهول أني جلست ست ساعات ممسكاً بالجريدة أستنطقها وأتعجب من أخبارها ولكني الآن في طريقي إلى خان الخليلي، السوق العتيق، وعيني على شراء واقتناء تذكاراً من هناك يعبّر عن المكان وجذوره الممتدة المديدة في التاريخ المصري الإسماعيلي منه فأشواقي كثيرة لا مبتورة للمكان العريق واستطلاعاً مني لكي يصبح اليوم مهد رحلتي نحو السعادة وإضفاء البهجة أخيراً على إجازتي في مصر.

 

      لاحظ سائق سيارة الأجرة لهفتي وأنا أدفع له أجرته فكنت في حميّة إلى أن أبدأ مسيرتي في سوق خان الخليلي. تأهبت للمغامرة وأخذت نفساً عميقاً وشرعت في التهام كل المحال والدكاكين بعيني. الدكاكين التي تعرض في المجمل تماثيل فرعونية مذهبة ومطعّمة بالياقوت الأحمر والزمرد السماوي ووجدت أيضاً أطباقاً مزخرفة تحمل الطابع الفرعوني والقبطي والإسلامي، كنت في معرضٍ بالفعل واستمتعت أكثر مما كنت أستمتع في معارض الأزياء الأوروبية، فتلك الأناقة وهذه التاريخ الأصيل. تنوعت المعروضات من مصابيح مضيئة وأواني فخارية ونحاسية وحليّ مزيفة ولكنها تخطف الأبصار إلى أنواع وألوان وأحجام النارجيلة، فاستنبطت أن الشعب المصري يهوى النارجيلة ويعشق ألسنة الدخان الكثيفة وهي تتراقص خارجة من أفةواه مرتادي مقاهي خان الخليلي التي تنتشر على ضفاف الممرات ويتخلل الدكاكين والمعروضات المقاهي والجالسين يتسامرون ويسهرون على النراجيل ولعبة النرد، يلوكون بألسنتهم أحاديث الدين والسياسة والفلسفة مما ذكرني بأول أيامي في القاهرة فتوجست خيفةً وارتابت نفسي ولكني بدأت أشعر أن هذا اليوم بالفعل يوم سعيد وشرعت البهجة تنفث الدوبامين في دمي وتحفزني على الإستمرار في طريقي الذي غمرني سعادةً حينما شاهدت أصحاب الحرف وهم منكبون على فنهم الرائع الذي طُمر ولكنه ما زال متشبثاً بروح الحياة. ثم توجهت إلى أحد المحال العتيقة يتوسطها بائع يتسربل وراء مظهر غريب يعود إلى أزمنة غابرة وكان أقرب إلى رجال الكهف منه إلى الإنسان المتطور، أهملته حالما أختار تذكاري الذي سيذكرني برحلتي التي جادت أخيراً بخيراتها وفاض النيل. وقعت يدي على تمثال خشبي صغير ملون، يشبه بوذا ولكنه ذا طابع فرعوني، كان في منتهى الحنان ويبعث في النفس بريق حكمة وومضة جمال جعلني أسأل رجل الكهف دون تردد عن سعره فنظر لي نظرة ذات معنى  وقال:

  • هوّا الباشا من مصر؟

فلم أفهم مغزى السؤال ولكني عاجلته ب(لا)، فأدار وجهه بهدوء وقال السعر، فبادرته بالمبلغ دون اكتراث وغادرته سريعاً. بعد مسافة دكاكين معدودة وجدت ذات نفس التمثال الصغير الشبيه ببوذا فسألت البائع لسبب أجهله في نفسي عن سعره، فكان الرد صاعقاً لأنني اكتشفت أنني دفعت ضعف ثمن التمثال لرجل الكهف، فكنت مضطرباً ومتوتراً حينما رجعت أدراجي إلى الرجل الغريب فوجدته على نفس وضعه فبادرته بشناعته ونصبه بصوت عالٍ وواجهته بأني أريد نقودي فما كان منه إلا أن قام وأشار إلى رجال على غير مبعدة من الدكان، متيني البنيان، قصيري القامة ومستنفرين ناحيتي كأنهم يمارسون عادة يومية في حماية رجل الكهف بعد النصب على الزبائن والسياح، فوجدت نفسي محاطاً برجال الكهف الزاعقين وآخرين تجمعوا حولنا لغير ما سبب، فما رأيت إلا بلطجة وابتذالاً حملني على مغادرة المكان في سرعة بعد معايشة ليلة من الرعب تحت وطأة نصب رجال الكهف.
        أعود إلى الفندق في سيارة الأجرة وأنا أجتر أحزاني على اليوم الحافل الذي بدأ بالسعادة والجمال وانتهى بالحزن والحسرة، فلم يكتمل اليوم الموعود، فلا شاهد ولا مشهود. اليوم الذي ظننته الفرج وبداية تحويل مسار الرحلة، ولكنها ما زالت تضن عليّ بأزهارها وجمالها وما زلت أروم الأمل في الرحلة فما يزال بالعطلة عشرة أيام قادرة على تحويل النظرة ناحية القاهرة ولياليها التعيسة.