ثلاثة أيام تكفي – الجزء الثالث

أدركت أن ما لقيته في يوميّ المنصرمين لم يكن من باب تعاستي وحظي الأسود ولكنه اتضح أنه المعتاد ولا جديد تحت سماء القاهرة حتى ركبني بعض الغم والكرب لواقع مصر الأليم



تحرير: آريج وائل وندى عمر.

      استيقظت صباحاً في يومي الثالث، آملاً في تغيير مسار رحلتي القصيرة الحزينة المتوترة التي لم تأخذ بعد لقب رحلة لأن ما من رحلة مثل رحلتي.

 

       بدأت يومي وأنا أنظر إلى خطتي التعيسة وما تشير به عليّ في يومي الثالث بالقاهرة فوجدت لا شئ بل سوق خان الخليلي، فتبسمت وخفق قلبي مجدداً، أعاد اسم المكان لروحي الحياة ووجدتني مقبلٌ على يومي بقوة وإرادة تريد تحدي العقبات حتى يصبح يومي الثالث هو مبتدأ السعادة وتحويل مسار رحلتي التي لا أحسد عليها بتاتاً.

 

      وجدت نفسي جاهزاً للرحيل في وقت مبكر جداً فلم أرى أي غضاضة في أن أسحب أي جريدة مصرية من أرفف كافيتيريا الفندق، وأطلب قهوة ثم أجلس لمدة ساعة على الأكثر فمن ثم يبدأ يومي صوب سوق خان الخليلي.

 

     قراءة الجريدة باللغة العربية، ياله من عمل طالما كنت أحافظ عليه في غربتي ووحدتي، كنت لا أتوانى في قراءة أي فقرات عربية تقع عليها عيني ولو كانت بضع سطور. ما زلت أواجه بعض المتاعب في القراءة ولكني أفضل بكثير ممن نسوا أن لهم جذوراً عربية أصلاً. دائماً ما كنت أفضّل قراءة الجريدة من آخر صفحة إلى الأولى، بذلك أنتهي بأكبر الأخبار. قلبت الجريدة ونظرت نظرة سريعة وإذا بي أرى خبراً صغيراً لمحت به كلمة خاطفة فاهتممت وقرأت “بورسعيد تتحدى العالم بساندويتش طوله ألف متر” ثم قلت في نفسي أنه بالتأكيد لا أهمية لمثل هذه الأخبار، تصفحت إلى صفحة الرياضة وكان خبر واحد هو المسيطر على الصفحة وكان “كالعادة… الزمالك خسران” لم أهتم أيضاً فأنا لا أعلم ما هو الزمالك. ثم لم ألقي بالاً لصفحتين وانتقلت إلى منتصف الجريدة ثم وجدت خبراً غريباً يقول “وصول ٣٨٩٨ سائحاً من جنسيات مختلفة إلى ميناء شرم الشيخ” فتساءلت سريعاً لما كل هذا الاحتفاء ببضعة آلاف من السياح؟ أليست السياحة شيئاً إعتيادياً في مصر؟ لقد شاهدت بعيني الكثير من أصدقائي الأوروبيين الذين يرومون مصر كل صيف وكل شتاء. تعجبت للخبر ثم وقعت عيني على خبر في الصفحة المقابلة وكان “تأمينات مشددة حول الكاتدرائية والكنائس خشية وقوع أعمال إرهابية” ازدت تعجباً فوق عجبي ولكن دهمني خبر آخر سريعاً فما وجدتني إلا وعيني تنزلق فوقه “طلب إحاطة يكشف دخول شحنة فول ب(سوس وشوائب) ميناء دمياط” لم أفهم الخبر جيداً ولكني وجدت عامل الكافيتيريا عند طاولتي يأخذ فنجان قهوتي الفارغ فوجدتني بلا تردد أسأله عن معنى الخبر فقال

  • الله يخرب بيوتهم، حتى الفول، أمال ناكل إيه؟ يا باشا الخبر بيقول إنهم جابوا أكل معفن للناس، وبيحققوا في الموضوع، بس بعد إيه، بعد ما الفول بهدل الجسم والناس تلاقيها في المستشفيات… عجبي.

 

      لم أفهم ثلث كلامه ثم طلبت منه قهوة ثانية لأن ذاك الخبر أشعل إهتمامي بالجريدة التي بيدي وحمّلني على قراءة كل خبر بتفاصيله ومررت على الكثير من الأخبار فطلبت قهوة ثالثة ثم رابعة ثم عصير برتقال ذكرني بالبارحة ومعاناتي على ضفاف النيل وكان من بين الأخبار التي قرأتها “رصدنا وقائع تعذيب بدني واعتداء جنسي في دور أيتام بالشرقية” “إغلاق محطة مترو السادات… مجدداً” “استدعاء ضابط للتحقيق في تسهيل هروب متهم مقابل رشوة” “مسئول في الأزهر يعلنها: سقطت النظرية في الغرب” “السيد الوزير: المؤامرة واضحة وجلية”
       ثار إهتمامي بالجريدة أكثر حتى أني طلبت طبق لحم بارد وأنا منكب أحاول أن أملأ خانات الكلمات المتقاطعة ومن ثم طالعت الأبراج فوجدت تحت برج الجوزاء “أمامك طريق وعر” وسحبت جريدة أخرى مستطلعاً فوجدت تحت الجوزاء “تقدم في طريقك ففيه سعدك” أخذت أضحك ببلاهة وإذا بي ألقي نظرة على ساعة يدي فما كانت إلا الثالثة عصراً وعلمت أن اليوم سيكون قصير جداً في خان الخليلي ولكني وبعد قراءة تلك الجريدة، أدركت أن ما لقيته في يوميّ المنصرمين لم يكن من باب تعاستي وحظي الأسود ولكنه اتضح أنه المعتاد ولا جديد تحت سماء القاهرة حتى ركبني بعض الغم والكرب لواقع مصر الأليم الذي أصبح إعتيادياً فلا غضاضة في أن نسمع كل يوم عن أخبار محزنة ومؤامرات كونية على مصر، ولكني نفضت عن نفسي هذه الخواطر اللعينة واتجهت بقلبي وعقلي وبدني نحو مغامرة اليوم في سوق خان الخليلي.