ثلاثة أيام تكفي – الجزء الثاني

كنت قد بدأ القلق يدق أجراس كنيسة قلبي ويساور الشك نفسي ولكني استيقظت من نومي في يومي الثاني وأنا أقول إلى نفسي وخاطري أن مصر ليست ما وجدته أمس



تحرير: آريج وائل وندى عمر.

 

      كان قد بدأ القلق يدق أجراس كنيسة قلبي ويساور الشك نفسي ولكني استيقظت من النوم في يومي الثاني وأنا اخاطب نفسي أو بالأحرى أقنعها أن ما حدث في مساء أمس لا يمثل مصر بأي شكل من الأشكال فهي ليست الإختلاف في الرأي العنيف ولكنه فريق الإنشاد، ليست اللص ولكنها المئذنة المزخرفة الشاهقة.

   

      رحت أراجع مخطط عطلتي لتقع عيني على تلك الكلمة التي سبق أن كتبتها بخط كبير ألا و هي “النيل”، فانتعشت وارتويت وعقدت عزمي على أن اليوم ليس الغد، اليوم هو اليوم، اليوم النيل.

      حاولت جاهداً وأنا في طريقي في سيارة الأجرة أن أتذكر ذلك الملهى النيلي الذي كنت أسرد فيه لحبيبتي -التي لم أعد أتذكر شكلها- القصائد، وأتغزل في عينيها، ولكن بلا جدوى. لم أستطع تذكر اسمه أو حتى موقعه! اكتفيت بالبحث عن أرق وأهدئ وأقرب مكان إلى النيل. ترى أأجد حبيبتي هناك؟ أما يزال طيفها يجول في المكان، مع أنني لا أتذكرها ولكني سأشعر بحضرتها ونحن نشابك الأيادي ويجري نهر النيل من تحتنا يعقد قراننا، يأصل نسب الدم بيننا ويخلّد نظرة العين للعين. دخلت الملهى الذي لم ألحظ له يافطة لتشير إلى اسمه ولكني أعجبت بموقعه المتميز و مدى قربه من نهر النيل. جلست على طاولة مطلة على ذلك  النهر الجاري بلا ملل، فسرحت في تفاصيله ومن ثم طلبت عصير برتقال، هو ذات العصير الذي كان دائماً ما يتربع فوق طاولة إجتماعي بمحبوبتي. أتذكر بقوة لون النيل الرائق وتناغمه مع اللون البرتقالي فكأنما يتحديان بعضهما ذاك بلونه البرتقالي المقدس عند الهندوس وذاك بطوله المديد. تعشمت وأنا في ذلك الموقف الموَقّف أن يستمر بي العمر على هذه الحال وأبقى حيث أنا في ملكوت دنيوي حيث النيل والخضار والسماء الصافية ولكني لم أرى تلك الصورة المحفوظة في ألبوم ذكرياتي عن النيل، فوجدت كل قبيح ينتظرني ويقف خلف أستار الحقيقة غولٌ لم أكن أتخيل وجوده، فلم تكن تلك اللوحة الرقراقة التي في ذهني هي انعكاس الواقع ولكني وجدت القمامة تطفو فوق سطح النيل وشطآنه الجانبية فقدت لونها الهادئ واصطبغت بألوان عديدة جعلت حولته من أزرق سماوي لامع الى لون مياه راكدة وحيدة بين الصحراء، عاينت مشهداً مقززاً لمتحرش على غير مبعدة مني على ضفاف النيل، كيف يسمح النيل لكل ذلك العبث أن يحدث دون أن يجدد عهد الطوفان. فحتى لم يعد الجالسين في حضرة النيل البائس احترام، فأنا كنت أكابد الأمرّين بسبب التدخين والدخان والإزعاج السرمديان. لم تكن جلسة مريحة بالمرة، حملني ذلك على ترك مكاني، ترك النيل، ترك الذكريات، وترك عصير البرتقال. ألا سحقاً لك يا نيل يا من خطه قلمي بأكبر خط ممكن، أنا راودته عن نفسي ولكنه لم يهم بي.

 

      لعنت يومي وذكرياتي وتفكيري وحبيبتي ونيلي ويومي الثاني الذي لم يتضح أنه كان موفقاً عن يومي الأول بكثير، مما حملني على الضجر واليأس، ولكني عدت بإشراقة اليوم الثالث، أنتظره، فهو أملي في تحسين صورة ذاكرتي التي بدأت أتخيل أنها تخدعني فمن المستحيل أن تكون هذه البلدة في يوم من أيام الماضي حاضنة لذكريات جميلة وعذبة تراودني من آنٍ الى اَن.