عبث ما بين تيتانك ويوتوبيا

الغريب في الأمر أن المخطوطة نجت من الحريق الهائل الذي أنشبه المغول في مكتبة "قلعة الموت"، ومن ثم اختفت؛ لتقع بعد مدة في يد "بنيامين عمر لوساج" الذي أبحر على سفينة "تيتانك"، لتغرق المخطوطة



 


“تيتانك” أكبر باخرة تم صنعها في العالم بأكمله، السفينة التي لا تغرق! والتي غرقت في أول ابحار لها عام ١٩١٢م.
ولكن المفاجآة أن “تيتانك” قد غرقت قبل غرقها الأصلي بأربعة عشر عامًا!
في عام ١٨٩٨ كتب الروائي الأمريكي “مورجان روبرتسون” رواية “العبث”، تتحدث الرواية عن سفينة “تيتان” والتي جاء في وصف الكاتب لها منذ السطور الأولى أنها غير قابلة للغرق! والطريف في الأمر أنها غرقت في الرواية بسبب اصطدامها بجبل جليدي في شمال المحيط الأطلسي في شهر أبريل، السبب نفسه الذي أغرق سفينة “تيتانك” أبريل ١٩١٢م! لم تقتصر المصادفة بين السفينتين عند اسمهما المتقارب أو سبب الغرق فقط، وانما امتد الأمر ليذهل الجميع, فقد جعل الكاتب “روبرتسون” في الرواية مسار السفينة من نيويورك إلى مدينة ليفربول بانجلترا، ومسار “تيتانك” كان العكس.
ووصف الكاتب “تيتان” في روايته بطول ٢٤٥ متر و وزن ٤٥ ألف طن وبقوة ٤٠ ألف حصان وسرعة ٢٥ عقدة، و تم بناء “تيتانك” بطول ٢٦٩ متر وتزن ٤٦ ألف طن وبقوة ٤٦ ألف حصان وسرعة ٢٤ عقدة!
وكأن الكاتب كان يرى “تيتانك” في خياله ويضع مواصفتها على أوراق روايته!
الأمر غريب، هل تنبأ “روبرتسون” بما حدث؟!
يقول الدكتور “أحمد عكاشة” رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، وأستاذ الطب النفسي في كلية الطب جامعة عين شمس أنه لا يوجد تفسير لقدرة بعض الأشخاص على وعي المستقبل أو الوعي الكوني، ولكن مثل هذه القدرات أقر علم النفس بوجودها بالفعل.
هل هذا يعني أن بعض الكتاب قادرين أحيانا على التنبؤ بما سيحدث؟!
يقول عمر الخيام في مخطوطته الشهيرة”سمرقند” التي أطلقها عام ١٠٧٢م “تسأل من أين لنا نفحة الحياة؟ فإن كان ينبغي اختصار قصة طويلة
قلت إنها تنبثق من أعماق المحيط
ثم يبتلعها المحيط بغتة من جديد”
الغريب في الأمر أن المخطوطة نجت من الحريق الهائل الذي أنشبه المغول في مكتبة “قلعة الموت”، ومن ثم اختفت؛ لتقع بعد مدة في يد “بنيامين عمر لوساج” الذي أبحر على سفينة “تيتانك”، لتغرق المخطوطة بعد أكثر من ثمانية قرون من إطلاقها، و يبتلعها المحيط بغتة من جديد!
لنعود لنقطة البداية مرة أخرى.. هل يمتلك البعض القدرة على التنبؤ؟!
في عام ٢٠٠٨ أصدر الكاتب المصري الدكتور أحمد خالد توفيق روايته الشهيرة “يوتوبيا”، وكانت رواية اجتماعية أطلق الكاتب فيها العنان لخياله، حيث قسم “مصر” فيها إلى قسمين، أحدهما للأغنياء والطبقة الراقية التي تملك كل شئ وتعيش في مدينة “يوتوبيا” التي أحاطوها بسور ضخم، والأخرى للفقراء الذين لا يملكون أي شئ!
حتى أن الأمر وصل بأحد الأغنياء أن يتسلل إلى منطقة الشعب ليصيد انسان فقير ويلهو به مع أصحابه!
مع قراءة الرواية يزداد الشعور بالضيق والخنقة، هل يمكن لأحد أن يلعب بمشاعر الناس وأحلامهم، ويتسلل إلى عقولهم ليغير أفكارهم؟
هل يمكن لأحد أن يجعل الناس من حوله عبيد له؛ ليعطيهم لقمة عيش صغيرة لا تكفي لإشباع بطونهم!
انقسامهم إلى فئات وصراعهم مع بعضهم البعض، حتى أصبحوا يتقاتلون من أجل العيش، جعلهم ينسون عدوهم الأصلي الذي تسبب في كل تلك الآلام التي عانوها.
قرأت جملة في الرواية جعلتني أشرد كثيرا أمامها “سيتركون العاصمة القديمة لتحترق بأهلها، وتندثر ظلمًا وقهرًا، وفقرًا، ومرضًا، وسيذهبون إلى عاصمتهم الجديدة؛ حتى لا تتأذى أعينهم بكل ذلك الدمار”.
في نهاية الرواية أقر الدكتور أحمد خالد توفيق أن”يوتوبيا” ليست إلا موضع تخيلي، وإن كان المؤلف يدرك يقينا أن هذا المكان سيكون موجودا عما قريب…