رسالة إلى العراب

حتى أنك قلت لي "ليتنا أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع التليفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقا ام أننا نتقمص ما نراه؟" ها أنت ذا تغلبني كالعادة، ولا أستطيع الرد ...



رسالة إلى صديقي العزيز أستاذ الدم المتقاعد “د.رفعت اسماعيل” صائد الأشباح الهاوي الذي اقترب عمره من السبعين، لطالما أدخل الرعب في قلبي عندما كان يسرد لي مغامراته مع الفرعون أخيروم أوالنداهة أو رأس ميدوسا أو غيره. أو أقول رسالة إلى الدكتور”علاء عبد العظيم” الشاب الذي اختار أن يفتش عن ذاته بعيدًا وسط أدغال الكاميرون، لطالما خطف أنفاسي بمغامراته رقصة الموت أو أشياء تحدث ليلًا أو عودة ساحرة الأفاعي أو غيرها. أم أقول رسالة إلى “عبير عبد الرحمن” تلك الفتاة العادية التي لا تملك أي ذكاء وقد أبهرتني في مغامراتها  ألعاب اغريقية أو امبراطورية النجوم أو مملكة الموتى، عذرًا فقد تعلمت الثرثرة من د.رفعت، أعرفك الآن منذ أكثر من سبع سنوات ولم ينتابني ملل قط من تلك الثرثرة حتى أنني اعتدت عليها .. لقد قلت يومًا “أحيانا يساعدنا الآخرون بأن يكونوا في حياتنا فحسب.” صدقًا ساعدني كثيرا وجودك في حياتي.

أتذكر يوما عدت من المدرسة منزوع الثقة بنفسي، أحسست يومها بمقدار تفاهتي وعدم اتقاني للكثير من الأشياء في حياتي، لتخبرني حينها أن “الثقة بالنفس كلام فارغ ..سوف يدهشك كم الأشياء التي لا تعرفها أو لا تجيدها .. المهم أن تثق بقدرتك على أن تكون أفضل.” بالفعل يقابلني الجديد باستمرار، فتأبى الحياة إلا أن تعلمنا كل يوم درسًا جديدًا حتى آخر نفس لنا فيها.

هل تذكر ذاك الألم القاسي الذي واجهني يوما؟ ..لقد شعرت في ذلك اليوم أنني لن أقوى على تلك الحياة البائسة، يكفيني أن أصعد إلى سطح البيت ليكون آخر ما ترى عيني من الدنيا .. أو أبتلع تلك الأقراص اللعينة كلها دفعة واحدة لينتهي هذا الألم وأنتهي معه، ذهبت حينها كي أودعك للمرة الأخيرة، فوجدتك تقول لي بتلك النبرة الساخرة “تعريف التفاؤل؟ إذا قال القائد لجنوده إن العملية خطرة وإنه يتوقع أن يموت تسعة وتسعون من مائة منهم، فإن التفاؤل يجعل كل واحد ينظر لرفاقه دامعًا ويقول لنفسه يحزنني فقد الرفاق” معك حق يا صديقي سأصمد هذه المرة أيضًا.

خرجت في يوم مع صديق مقرب لي أعرفه منذ سنوات طويلة – أو ظننت أنني أعرفه – فقد صدمني يومها بمقدار الكره الذي حمله تجاهي كل تلك الفترة، وتلك الابتسامة الكاذبة الذي كان يقابلني بها في كل مرة أراه، فوجدتك تقول لي بثقة “من المفترض أننا أنهينا الدهشة منذ زمن، وصار كل شئ قابلا للتصديق.” كالعادة تظهر بلاهتي أمامك وحدك وفي كل مرة تعطيني حكمة أنقشها في قلبي بقلم قاس أعطته لي الحياة حتى أحسست أنك عدوًا لها وأنك تحاربها معي بقوة أدهشتني .. كم أنت قويا يا صديقي!

كنت تقول لي عن الأحزان دومًا ” لا يكفيك أن تنساها.. يجب كذلك أن تنسى أنك نسيتها”.

هل تذكر عندما وقعت في الحب لأول مرة، وكنت أشعر بتلك السعادة الكبيرة، وكأنني سندريلا التي نظر لها الأمير نظرة رومانسية جعلتها تنسى تلك الآلام التي سببتها زوجة أبيها لها، أو ليلى التي عشقها قيس ولكن أهلها رفضوا زواجها منه، فهام على وجهه ينشد لها الأشعار، ويتغزل بها حتى لقبوه بالمجنون .. وكأنني بالغت كثيرا في ذلك اليوم أليس كذلك؟ حتى أنك قلت لي” ليتنا أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع التليفزيون والسينما لنعرف هل هذا حب حقًا أم أننا نتقمص ما نراه” ها أنت ذا تغلبني كالعادة، ولا أستطيع الرد .. تعرف يا صديقي أنه في كل مرة أتحدث إليك أحس بأن خبرتك في الحياة كبيرة لدرجة لا يستطيع كائن مثلي الوصول اليها.

اتخذت قرارا بأنني سأحل تلك الأزمة بمفردي هذه المرة حتى أنني سأغلق باب غرفتي ولن أسمح لأحد بالاقتراب منه، وكالعادة يأتيني صوتك ليقول في سخرية “الحل الوحيد للمشاكل النفسية هو لا تكن عاطلًا ولا تكن وحيدًا” ضحكت حينها لأصرخ بصوت عال، وأقول لك هل تملك كل الردود هكذا دائما؟ ووجدتني أقول لك بعين دامعة أفتخر بك يا صديقي .. لطالما فعلت حقا.

في يوم من الأيام أتى زميل إلى بيتي يشتكي بضيق فهمه لمسائل الميكانيكا اللعينة، وكان يبكي بشدة فأخبرته حينها أن كل شئ سيكون على ما يرام، وجلست معه طوال اليوم أشرحها له بصدر رحب لأسمعه في اليوم التالي يقول عني أبغض الأقوال، تضايقت حينها وشعرت برغبة في أن أذهب اليه، وأعطيه لكمة في وجهه أو أكسر رقبته أو أجره في الأرض لأدوس ع …لتقاطع أفكاري الشريرة بضحكتك وتقول في سخرية “اعمل الخير وارمه في البحر.. بشرط أن يراك أحدهم وأنت تفعل ذلك، عندها سيخبر الآخرين أنك لا تفعل الخير فقط بل وترميه في البحر أيضا ” لأضحك بصوت عال وأدير ظهري لذلك الأحمق وأكمل طريقي.

أحببت دائما الروايات وبالأخص التي تكتبها، وذاك الخيال الجميل في كل رواية اقرأها وأعيش بداخلها كأنني بطل من أبطالها .. أغمض عيني وأستلقى على السرير لأتذكر الأحداث، وكيف استطاع البطل أن يحل ذلك اللغز الغامض في سهولة، أو كيف استطاع أن ينجو بنفسه من الوحوش التي تجري خلفه، أو كيف جعل البطلة غارقة في حبه، ولكن الشخص الأقرب إلى قلبي يجد هذا كله كلاما فارغًا،  وأن مشاهدة فيلما سينيمائيًا أمتع وأكثر توفيرا للوقت من تلك الروايات فجئت أشكو إليك لتخبرني في لين “أقسى شئ في العالم أن تقنع من تحبه بأن يحب الأشياء التي تحبها أنت.” معك حق فليس من حقنا أن نشكل الناس أو نغير من أطباعهم لمجرد أنهم لا يتوافقون مع آرائنا حتى أن المحاولة لفعل ذلك ليست إلا أنانية منا.

قرأت في مرة قصة أعجبتني كثيرًا عن امرأة تجلس كل يوم مع زوجها لتتناول الفطور، ثم تنظر من النافذة وتخبره عن عدم نظافة جارتها التي نشرت الملابس متسخة، وأنها ليست ست بيت كما يقولون .. وفي يوم جلست كعادتها واذ بالمفاجأة أن الملابس نظيفة، فضحكت وهي تقول لزوجها أخيرا تعلمت الجارة النظافة ليخبرها زوجها أنه قام بتنظيف زجاج النافذة التي كانت تنظر منها فقط !!
فقد كان العيب في عدم نظافتها هي وليست جارتها، فوجدتك تعقب على كلامي بأن “غريب أمر الإنسان حقا ..إن عيوبنا ككشافات سيارة نركبها.. لا نراها نحن أبدا بينما هي تعمي عيون الآخرين الذين يقابلوننا …وبالمثل نحن نرى كشافاتهم -أو عيوبهم- بوضوح تام قد يدفعنا إلى مطالبتهم بتخفيضها قليلًا”.

كنت أشعر بحيرة شديدة في حلم لطالما أردته، لأكون صريحا معك هذا الحلم يتطلب مني شجاعة كبيرة، أمامي خيارين اما أن أجازف بتحقيقه، وحينها ستتغير حياتي إلى الأفضل أو أن أظل كما أنا في نفس المكان الذي بدأت فيه، فوجدتك تقول “أخشى أن أستيقظ يومًا في الأربعين لأجد أنني ضيعت حياتي بسبب خيار خاطئ اتخذته وأنا في سن العشرين.” ماذا سيفعل لى جبني وتخاذلي وأنا في الأربعين ولازلت أنا !

بعد كل امتحان في المدرسة كنت أحسب عدد الدرجات التي سأخسرها ولكني كنت أزيدها قليلا لكي لا أحزن عندما أرى النتيجة وفي كل مرة كنت أجد النتيجة أقل مما توقعت بكثير، فكنت أفرح بشدة، وفي مرة تذكرت قولك “هذه هي فلسفتي.. دائمًا أتوقع الأسوأ، وفي كل مرة يتضح أن توقعاتي كانت أسوأ من الحقيقة، هذا جعل الحياة بالنسبة لي سلسلة من المفاجآت السارة.

صديقي العزيز أنا أعلم أنك لن تقرأ رسالتي هذه أبدًا، ولكني أردت أن أخبرك كم افتقدتك، وكم أعطيك من قيمة في حياتي الصغيرة، أتذكر مقولتك الآن “كنت أتسائل لماذا يختار الموت أحسن من فينا؟ ولكني وجدت الإجابة منذ فترة قريبة في كلمة أحدهم أنهم قد نجحوا في الامتحان مبكرًا ..فلا داعي لوجودهم “فهمت هذه الجملة عندما اختارك الموت! فسلامًا على من جعل الشباب يقرؤن …سلامًا على د.أحمد خالد توفيق.