أزمة المثقف والقارئ العربي (1)

أزمة ثقافة



لا تقتصر الثقافة العامة على المطالعةِ واحتيازِ كتابٍ مع كوبِ القهوةِ المعتادِ، بل لابدَّ أن تكونَ هناكَ عدة معايير يلتزم بها المثقف والقارئ العربي، حتى يخرج بعقلٍ واعٍ قادرٍ على إفادةِ غيرهِ؛ ففي الآونةِ الأخيرةِ، ظهرَ جيلٌ من المثقفينَ والمُطَّلِعينَ قد خلعَ عنه ثيابَ المعاييرِ الدقيقةِ ما بين تنقيحٍ وفردٍ وسردٍ وأخذٍ من الكتبِ المترجمةِ، والفكرِ المنقولِ إلينا، فكان لابدَ من توجيهِ النقدِ للفكرِ السائدِ وما يعانيهِ المثقف والقارئ العربي.

وفيما يلي سرد لهذه المعايير المعنية بالتحلي بها :

(١) الإكتفاء بالتقليد: فالمثقف الذي يكتفي بإعطاء وصفاتٍ سابقة من تراثه التاريخي، أو من المجتمع المغاير لمجتمعه، ليس مثقفاً في حقيقته لأنه ليس مبدعاً، فالمبدع هو الذي يحرر ما يُصلح مجتمعه، إذ أن الصنعة الفكرية لدى المثقف الحقيقيِّ ليست مجرد استهلاكٍ لفكر الغير، أو الاكتفاءِ بجمعِ المعارفِ، أو الكتابةِ بحشوٍ من الكلام الخالي من المنهجيةِ العلميةِ.

(٢) الواقعية الإجتماعية: حيث يكون ميدانُه مجتمعَهُ أو أمتَهُ؛ ولا بد أن يكون مجال حركته حركة علمية وحركة فكرية، وهذا يتحقق من خلالِ أمرين :

أ- التصور الصحيح الشامل والمتماسك بواقعهِ الإجتماعيِّ، بأبعادهِ الثقافيةِ والتاريخيةِ والاجتماعيةِ والظرفيةِ، حتى تتشكل لديهِ الرؤية السليمة والشاملة عن هذا الواقع. ولكي يتحقق هذا، لابدَّ أن يكونَ هناك تعايش اجتماعي مباشرر مع الناس، و دراسات ميدانية لأحوالهم بما يتضمن قراءة فاحصة نافذة، لعقليةِ المواطنِ العربيِّ.

ب- الجهد العملي في الواقعِ الإجتماعيِّ؛ إصلاحاً له، ونهوضاً به، وإسهاماً في حل مشكلاته، وحفظ مكتسباته.

(٣) النزعة النقدية: وهي أهم ما يفتقدُه المثقف والقارئ العربي، فدائماً ما نواجه مشكلة أخذ الأشياء على أنها حق مطلق، وأن أصحابها لا يخطئون أبدا،ً أمثال إخواننا المغتربين فكرياً، فيُسَلِّمُون بكلِّ شئٍ على أنَّه النور الذي أوتيناه، ولا ينبغي علينا النظر فيه، واستخراج ما به من عيوبٍ وأخطاءٍ، حتى أنَّ بعضهم عُرِفَ عنده بأن المثقف هو صاحب نزعةٍ نقديةٍ، وبعضُهم يأخذونَ الأفكارَ المعلبة، لمجردِ أنَّ أهلها أصحاب حضارةِ سائدةِ؛ أفلا ينبغي علينا تشخيص أو تمحيص أفكارهم أو آرائهم؟! ويكأن عقولنا تحت وصاية فكرية!
(٤) التهكم: كثير من القراء العرب والمثقفين لا يجيدون سوى التهكم والإعتراض والرفض، حتى إذا سألتَهُ أينَ هيي خُطَّتَكَ؟ أو فكرتَك الشمولية لتفسيرِ الواقعِ والعملِ على تعديلِهِ؟!  تجد أنه لا يوجد عنده أدنى فكرةٍ عن كيفيةِ تغييرِ الواقعِ، فعقله لا يعرف إلا التهكم والسخرية، ونسي أن مهمة المثقف تغيير العالم…

وخلاصة الأمر :  نحن في أمسِّ الحاجةِ لأصحابِ النزعاتِ النقديةِ، من غيرِ الاكتفاءِ بالتقليدِ، أو عرضِ وصفاتٍ جاهزةٍ، وأفكارٍ معلبةٍ مجلوبةٍ من دولٍ أخرى، كما نحتاج أناسًا لا تكتفي على الأقلِ بالتهكمِ والسخريةِ، ولكن ليتعدون بالأمر إلىى مستوىً من تقديمٍ وإبداعِ حلٍ وفكرةٍ شموليةٍ لتفسيرِ أيِّ واقعٍ وتغييرهِ…

يتبع,

إعداد \ محمد جمال

تحرير \ مي مسعد