الأستاذ ”الجورنالجي“

لقد إستأذن الأستاذ مرتين مرةً عن الكتابة و مرةً عن الحياة بأكملها لتفقد مصر ملكاً للصحافة بقيت أهرامه بيننا حتى اليوم لنشاهد روعتها و نتحاكى بعظمتها.



منذ عامين إنتقل إلى رحمة ربه و دار الخلد عميد الصحافة و أسطورتها الخالدة الأستاذ محمد حسنين هيكل. فهو واحد من هؤلاء الكبار في المقام الذين تمنيت مقابلتهم من أجل الإستماع إلى خبرتهم العريضة في الحياة و شهادتهم على ما عاصروا من أحداث غيرت في تاريخ هذا الوطن العظيم مصر. و لقد زادت حاجتي إلى هذا اللقاء خصوصاً بعد بداية تجربة  ”إنسايدر “ و التي تعد تجربة جديدة للنهوض بمستوى الصحافة الطلابية ليس فقط في مصر بل أيضاً في الشرق الأوسط و أفريقيا. فمناقشة هذه التجربة مع الأستاذ و الإستماع إلى نصائحة كان ربما وفر علينا عدد كبير من سنوات التجربة. فما بين منزل الأستاذ و مكتبه على ضفاف النيل في الجيزة مروراً بمنزله الريفي ببرقاش و شاليه قرية الرواد بالساحل الشمالي و كثير من عواصم العالم قصص و مواقف تستحق التأمل.

مدرسة الأستاذ هيكل الصحفية هي مدرسة تعتمد في المقام الأول على الوثائق و الخرائط. فلا يستطيع صحفي أن يغطي حرباً بعينها أو أن يناقش تغييرات قد تطرأ على العالم دون نظرة عميقة على الخرائط و فهم الوضع الراهن و كذلك تصور الوضع المستقبلي. للوثائق أيضاً عند الأستاذ أهمية كبرى. فمن وجهة نطره لا يمكن لصحفي أن يكتب دون أن يمتلك الوثائق التي تبرهن على ما يقدمه من معلومات. إن القدرة على إمتلاك هذه الوثائق شىء مهم و لكن القدرة على فهمها و قرائة ما بين السطور و المعاني التي تتضمنها هذه الوثيقة هو أمر أكثر أهمية. كان الأستاذ شديد الإهتمام بجمع الوثائق و كان لا يكتب كتاباً و لا مقالة و لا حتى يظهر أمام الكاميرات إلا و معه الوثائق التي تبرهن على كلامه. كانت هذه الوثائق بمثابة الكنز الوطني فكان من بينها أوراق بخط يد الزعيم جمال عبد الناصر و أوراق أخرى بخط يد الكثير من زعماء و مشاهير العالم. كان حلم الأستاذ أن تبقى هذه الوثائق لأجيال أخري من الصحفيين كي يستفيدوا منها و لكن كان لقوى الشر من إرهابي جماعة الإخوان المسلمين رأى آخر حينما تهجموا على بيته في برقاش و أتلفوا و أحرقوا ممتلكات المنزل بما فيها جزء كبير من هذه الوثائق.

كان للأستاذ هيكل تجربة شديدة الأهمية داخل جريدة الأهرام حيث جعل منها واحدة من أهم الجرائد العالمية. كان الأستاذ يري أن كل صحيفة تغطي -أولا- ما يغطيه غيرها من أخبار, و تنافس -ثانيا- في متابعة تلك القصص الإخبارية و استقصاء خلفيات جديدة, ثم تحاول -ثالثا- أن تنفرد بأخبار تسجل أمام قارئها قدرتها على إشباع احتياجاته من المعلومات أكثر من غيرها. فحينما بدأ العمل كرئيس تحرير لجريدة الأهرام كان شديد الإدراك أن الخبرة لها الكلمة الأخيرة في عملية التطوير فخصص دور كامل داخل مبنى الجريدة لكبار المثقفين من المصريين و على رأسهم نجيب محفوظ و توفيق الحكيم و يوسف السباعي. كانت الجريدة في زمنه توزع ما زاد عن مليون نسخة يومية و كان مقاله بصراحة محط أنظار المصريين من جميع أنحاء المعمورة. و قد كان الكثيرون من ملوك و رؤساء الدول يعتبرون هذا العمود بمثابة تعبير عن رأى الدولة المصرية حتى أن ملك السعودية قد أرسل رسالة إلى الرئيس عبد الناصر معترضا على أحد تصريحات الأستاذ في كتاباته. بل إن السفارات الأجنبية في مصر كانت تترجم مقال الأستاذ و ترسله في برقيات إلى وزارة الخارجية في بلادهم للإطلاع و البحث على أحدث ما يكتبه الأستاذ هيكل. كان الأستاذ يؤمن أن للصحافة دور كبير في الرصد و التحليل فأنشأ مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية ليكون واحداً من أهم المراكز البحثية في مصر و الوطن العربي. لقد إمتدت كتابات الأستاذ هيكل لتنشر في أكبر الجرائد العالمية. لقد كان الأستاذ يقود قوة مصر الناعمة بكل قوة مدافعاً عن مصر و عن صورتها أمام العالم. فقد كان رحمه الله صاحب علاقة وطيدة بكثير من رؤساء تحرير العالم الذين كانوا يعتبرونه من أكبر صحفيين العالم. و حينما قامت جامعة أوكسفورد الشهيرة بفتح قسم للصحافة إخطارت الأستاذ هيكل ليكون ضيف شرف الإفتتاح ووصفته رئيسة الجامعة يومها ب ” الأسطورة الحية “.

كان الأستاذ يؤمن بالإنفتاح على الآخر و إستمرار حالة من الحوار بين الحضارات ككفيل لبناء حضارة إنسانية. لقد إستطاع الأستاذ أثناء متابعته للثورة الإيرانية في طهران و لقائه مع الخميني التطلع إلى ما يحمله المستقبل لهذه المنطقة من العالم. كان الأستاذ و بصداقته بالسيد محمد خاتمي رئيس إيران السابق ينبذ كل الصراعات الطائفية. كان لا يؤمن أن إيران خطر على الأمن القوي للوطن العربي. بل إنه كان يرى أن ثمة علاقات وطيدة يجب أن تنشأ بين القاهرة و طهران و أنقره للوقوف أمام سرطان الإحتلال الإسرائيلي الذي يأكل الجسد العربي. كان الأستاذ من أشد المؤمنين بقضايا الأمن القومي المصري و العربي. كان يري أن مسائل الأمن القومي ليست كهنوتية لا يجب الحديث عنها. بل إنه كان يري أنه كلما زاد الوعي بين المواطنين فيما يخص قواعد الامن القومي كلما أصبحت الدولة أكثر صلابة و قدرة على مواجهة الأخطار.

كان للأستاذ شخصية تتسم بالوفاء ظهرت جلية في علاقته بعبد الناصر. فرغم إختلاف الأحداث و مرور السنين ظل الأستاذ مدافعاً عن صديقه القديم حتى و لو تسبب ذلك في خلاف مع أحد الرؤساء. كان الأستاذ يترفع عن رد الإسائة و كان لا يشغل باله أبداً بالرد على هؤلاء الذين يشككون في وطنيته أو حتى يتطاولون عليه بالسباب. كان يعرف قدر نفسه و عظمتها. كان الأستاذ لا يتنازل عن أفكاره في مقابل إرضاء أي سلطة. لقد ظهر هذا جلياً في خلافه مع الرئيس السادات حينما رأى أن معاهدة كامب ديفيد ليست معاهدة سلام و لكنها معاهدة تسوية أهدرت ثمار النصر العسكري المصري لإقامة سلام غير متوازن و لكن الأستاذ كان يؤمن أن هناك رئيس جهورية سابق و لكنه لا يوجد كاتب صحفي سابق.  كان يرفض كل أنواع التكريم حتى أنه رفض بأدب منح الجامعة الأمريكية بالقاهرة الدكتوراه الفخرية له معللاً ذلك بأن تكريم الإنسان يأتي فقط من جمهوره. لقد إستأذن الأستاذ مرتين مرةً عن الكتابة و مرةً عن الحياة بأكملها لتفقد مصر ملكاً للصحافة بقيت أهرامه بيننا حتى اليوم لنشاهد روعتها و نتحاكى بعظمتها.