لساها ثورة

إن الشعوب لا تحكم على الثورات و لكن الثورات هي من تحكم على الشعوب



الزمان هو الخامس والعشرين من يناير لعام 2011 في الطريق ما بين الحرم الجامعي للجامعة الأمريكية بالقاهرة الجديدة إلى الحرم الجامعي بالقلب من ميدان التحرير حيث بدأت شرارة الحرية. فمنذ سبعة سنوات كانت أنظار العالم تتجه ليس فقط إلى وسط القاهرة و لكن إلى ميادين الحرية في ربوع مصر المختلفة و على إمتداد حدودها شرقا و غربا تراقب أصوات تتعالي لتدافع عن كرامتها الإنسانية في وقت كان الأشرار ينتظرون فرصة سانحة تسمح لهم إما بنشر الفوضي العارمة أو الوصول إلى رأس السلطة من أجل تحقيق أطماعهم.

خرج الشباب المصري في شجاعة و بسالة ليكسروا حاجز الخوف إلى غير رجعة. أيام مجيدة في تاريخ مصر أسقط جموع شعبها العظيم حكم سلطان جائر أراد لهذا الوطن أن يبقي تائها بين إشغالات الحياة اليومية دون أن يتحرك إلى الأمام في مكانه الطبيعي. تعالت الأصوات تطالب بتصحيح المسار و إسقاط قمع أجهزة أمنية تخيلت أنها وحدها تستطيع أن تحكم هذا البلد و أن الشعب لم يعد له صوت مسموع.

كادت الأمنيات أن تتوقف عند إلغاء قانون للطوارئ أو تغيير وزير للداخلية إلا أن مساء هذا اليوم كانت له الكلمة الأخيرة. فعندما أرادت السلطة ألا تستمع إلى المشورات السياسية و أن تتجه إلى الحلول الأمنية تعالت الأصوات و إن كانت غير مدركة إلى ما تقول إلا أن حماسة الموقف كانت تحتم بالهتاف لإسقاط حسني مبارك نفسه فيما تحول الهتاف بعد ذلك إلى شعار حقيقي لثورة أصبحت إفتتاحية دستور مصر الجديد. فمنذ هذه اللحظة أصبح إسقاط مبارك و نظامه هو الهدف الأساسي حتى تحقق الحلم في الثاني عشر من فبراير لعام 2011 فإحتفل الثوار فيما نسوا أو تناسوا أن أهداف الثورة الحقيقية هي العيش و الحرية و العدالة الإجتماعية والكرامة الإنسانية.

ثورة يناير مثلت أيضا علاقة جديدة بين جيش مصر و شعبها الذي رحب به في شوارع مصر و تعالت صيحاتهم مرحبين بالجيش منقذا للثورة و مؤيدا لحقوقهم المشروعة. كانت الثورة بداية صياغة مكانة جديدة للجيش داخل المجتمع المصري ليتصدر الجيش المشهد و يتحمل المسؤوليات الوطنية بالرغم من تعرضه لهجمات تشويه متعمدة بعد الثورة و لكن القوام الأصلي للشعب المصري كان وما يزال يدرك قيمة جيشه العظيم.

أما على المستوى السياسي فقد أثبتت الثورة المصرية أن التيار الإسلامي و الجنرالات السابقين هم فقط من يستطيعون أن يلعبوا الدور المحوري في الحياة العامة. كان الجنرال العبقري عمر سليمان قد قال كلمته الشهيرة but when  فسخر منه البعض في وقت لم يدركوا فيه قيمة كلامه. فكل ما تناوله اللواء عمر سليمان في حديثه عن مؤامرات و أجندات و عدم جاهزية أصبح اليوم حقيقة جلية ظاهرة كوضوح الشمس. لم تكن القوي المدنية في هذا التوقيت جاهزة و ما زالت حتى و بعد مرور سبع سنوات.

إن الشعوب لا تحكم على الثورات و لكن الثورات هي من تحكم على الشعوب. فلا يحق لأحد مهما كان أن يقف اليوم منظرا أو محللا ليحكم على ثورة بالنجاح أو الفشل. و لكن الثورة هي من تقف اليوم لتحكم على هذا الشعب إذا كان يستحق أن يشم رائحة الحرية. و بعد سبع سنوات لا يجوز لنا إلا أن نقف إحتراما و تقديرا لشهداء سالت دماؤهم الذكية لتروي لنا قصص المجد و العزة و الكرامة.