عامٌ جديد

عامٌ ولّى وعامٌ مُقبل: وما بينهما.



يأتي كُل عامٍ جديد بالكثير مِن الآمال والطموحات والرغبة في التغيُر وما إلى ذلك. ويُراود أنفسنا دوماً شعورٌ خفيّ أن القادم هو الأفضل، فننسى أننا ظننا ذلك العام السابق أيضاً، ونُصنـف الأعوام بالعامِ الأفضل و العام الأسوأ، لكننا نسينا أن الأعوام لا تُصنَف وما هي سوى أيام، سيأتي منها يوماً سعيد و آخر حزين، ستُصنع العديد مِن الذكريات المُشرق منها والمُظلم. حالُنا لن يدوم وكذلك الأيام، وما علينا سوى تقبُلها ومواجهتها.

وسط ضوء الشموع والاحتفالات الصاخبة وشچر الكريسماس المُبهِج وبهجة الأطفال، يأتي شبح العام الذي يوشك على الانتهاء ليهدينا شريط عرض لمُجمل الأحداث التي مررنا بها و مرّت علينا، يرينا أنفُسنا قبل وبعد ذاك العام، يرينا الشخص الذي صُنِع مِن ذلك العام، وينتظر ردة أفعالنا؛ بعد أن رأينا أنفُسنا -وكأننا نشاهد فيلماً سنيمائياً- خلال العام السابق.

نرى أمامَنا الأخطاء التي اقترفناها، والكلمات التي لم نعنيها ولكنها جرحَت شخصاً آخر، والأصدقاء اللذين لم يَعُد يوصلنا بهم حبال الود ولا نعلمُ عنهم سوى أنهم على قيد الحياه، وآخرون ظننا أنهم سيكونوا دوماً بقُربنا لكنّا لم نتلقّى منهم سوى الخذلان، والذكريات التي حاولنا جاهدين مُحاربتها ولم نستطعفقررنا التعايش معها.

نرى أيضاً جانب العام الآخر؛ الجانب المُتبسِّم. كالأيام التي تعالى بها صوت ضحكاتُنا حتى كاد يخترق السماء، والأحلام التي بدأنا بتحقيقها، والصداقات التي اكتسبناها، والذكريات التي صنعناها، والصور التي التُقِطَت وعَلِقت بأذهاننا بدلاً مِن الجدران، والأغاني التي ارتبطت بأحداث دقيقة، والأحزان التي قررنا عمداً أننا لن نجعلها تؤثر علينا سلباً مُجدداً، لن تكون سبباً للأرق بعد الآن.

ستُشاهد ذلك العام بمزيج مِن الحُزن والدهشة والفخر؛ الحُزن لِتذَكُر ما لم تود استرجاعه، ما ظننت أنك نسيته وحتى رأيته أمامك فوجدت أنك تحفظه عن ظهر قلب. والدهشة مِن كم الأيام التي طننت أنها لَن تَمُر لكنها مرّت -لا بأس بالقليل من الندوب- والليالي التي لم يعلم قسوتها سوى الله، فاعتقدت أن تلك النهاية، ولم تَكُن سوى بداية جديدة. والفخر بنفسك، بالشخص الذي أصبحت عليه الآن، بالتجارب والحروب التي خُضتها رغماً عنك وفُزتها، الفخر بالشخص الذي خطى نحو العام السابق وهو غير مُدرك أنه سيخرُج منه الشخص الحالي الذي هو أقوى، أكثر نُضجاً و قدرةً على مواجهةِ العالَم. تلك كانت هدية ذاك الشبح للعام الجديد، أرادنا أن نرى أنفسنا و كأننا نشاهد شخصاً آخر، لأن المشهد دوماً لا يكن واضحاً بالقدر الكافي عن قُرب، عليك أن تبتعد، لترى الأشياء بوضوح ورؤية أخرى.

في استقبال العام الجديد يأملُ كُلٌ مِنّا أن يَكُن القادم أفضل، وإن لم يكن أفضل يُمكنُنا جعله أفضل، يمكنُنا صنع ذكريات جديدة، وخلق البهجة حولنا، فالبهجة ستولد دوماً رغماً عن الحُزن.