في خمس دقائق

ماوراء الخمس دقائق الأخيرة والخمس مشاهد الأخيرة من مباراة التأهل لكأس العالم بين مصر والكونغو، خمس دقائق من ذهب.



قد يُلقِّن أحدهم درساً للأمة بأسرها عن غير قصد، وهو ما فعله “محمد صلاح” في خمس دقائق استحالته “مُعلِّماً” لأبناء جيله ومن سبقهم ومن سيعقبهم. كان الدرس مُسجَّلاً على شاشات المنازل والمقاهي، درساً مجانياً يدفع البعض أعمارهم لقاؤه، وقد لا يحصِّلوه، فتعلّموا.

-المشهد الأول: تحرز الكونغو هدفاً في شباك “الحضري”، يهوى “صلاح” على الأرض كالمُغشى عليه، تخونه قدماه وأعصابه ويصفعه أمله الوشيك فيرتطم بأرض الملعب.

-المشهد الثاني: تخمد خيبة الأمل، يرتفع عن الأرض، يجلس على ركبتيه، يرنو للسماء ويلتفت حوله.

-المشهد الثالث: ينهض، يحيط رأسه بكفيه ويبحث عن حل، يصرخ في الفريق محفّزاً أن “هلّموا”

-المشهد الرابع: يلتفت للجمهور، يلوّح لهم أن ادعوا، اُؤْمُلوا وآمنوا.

المشهد الخامس: يركل الكرة، لتستقر في مرمى الكونغو، فتنتفض مصر بأسرها.

خمس مشاهد وخمس دقائق وراء محمد صلاح، خمس مشاهد لخّصت مشوار الحياة ورحلة الصعود. وإني لأود أن آخذ المشهد لما وراء الكرة والمنتخب وكأس العالم، آخذه للحياة بكل أطوارها وأستحيله موعظة تُهدى لكل رحلة وكل رحّال،

لا بأس من التهاوي والانهيار حد معانقة أديم الأرض، لا خزي في القنوط والجزع واليأس. ولكن، كل شيء يدور حول الوقت الذي ترتقي فيه من مرحلة لأخرى، الفترة ما بين العثرة والنهوض هي التي تفصل بين الذي يستقر على الأرض والذي يشقّها بأساً بعد السقوط.

ألم السقطة سوف يزدرد ألم الخيبة، فيحل السكون والصمت ليسمحا للحل أن يمر بين الحطام ويبزغ من من بين طيات الظلام. ثم تنهض على ركبتيك وترنو للأعلى، هل من مغيث؟. ثم تستشعر الإجابة فتصلب عودك، لتنظر لكل أسباب النجاح فتستحثها وتنفخ فيها من روحك. ثم تنظر لمن يحبونك وينتظرون بعثاً لما صُرِع، لتخبرهم أن يؤمنوا ويأملوا، سنكون بخير. ولأن الإصرار ينتزع الفرص، يوضع أمامك الحلم مرة أخيرة، مرّة كأن ما قبلها عدم وما بعدها عدم، مرّة واحدة..هي الوجود.

في تلك اللحظة، يصطف الجميع على حافتي الممر، الشامت والآمل، الماضي والواقع والآتي، الخيبة الآنفة والأمل الذي يلوح، الغضب والهمود، الثورة والخمود، كل المترادفات والتضادات تتجلّى، كل أحلام الطفولة وجُهد الشباب وحِكمة الرُشد وخبرة الشيخوخة، كل لحظات الظفر ولحظات الهزيمة، كل شيء يُختزل في لحظة، تخونك فيها قدماك أو تفي، إما أن يتحد إحدى الصفين معك أو يعرقلك الآخر، إما أن يشاء الله أو لا يشاء، لفظي “إما أو” يتجاذبان حد الالتصاق ولا متسع للوسط بينهما ولا مجال لتعود أدراجك.

“ما بين اليأس والرجاء”، عبارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات في خطاب النصر. ما بين اليأس والرجاء مُلتقى المشاعر وبؤرتها. مائة لون من الخوف والبسالة، من الإقدام والإحجام، من القنوط والأمل، من اليقين والشك. قد يحدث أن تصير بضع ثوانٍ الزمان كله، بضع ثوانٍ فيها تكون وإلا فلا.

الدقائق الفارقة تحسم أمر من يحياها، وأحياناً، تحسم أمر كل من يحيا. ما بين الدقيقة الأولى والأخيرة، هو صراع الحواس، هو قرع الفؤاد على قضبان الجوانح، هو حوايا الجوف تتلاطم في هوج.

عَظُمت لحظات كتلك، وعَظُم كل ما يتلوها، قد يتبعها عظيم الفرح أو عظيم الانكسار، كل ما بعد الخمس دقائق عظيم، وكل ما بينهما عظيم، ما يفصلنا عن القاع والقمة لحظة، فيها نقرر ألّا نظل في مستوى الأرض، فيها نقرر كما قرر “صلاح” أن تدفع أيدينا الأرض وثراها، لأنه لا وقت للخسارة، نخصص للهاوية وقتاً ضئيلاً، فكلما تقلصت مدة الانكسار، امتد عمر الظفر، فلم يسمح “صلاح” للخَور أن يغتصب منه الفوز، ولم يخصص للهزيمة عمراً أكبر من عمرها، فلم تمتد ولم تتفاقم، وكل ما أعقبها كان احتفاءً وظفراً مُخلّداً، وُلِد الخلود من رَحِم خمس دقائق، قرر فيها أحدهم أن للأمور مجرى آخر، وللقصة خاتمة أخرى.