ما بين النكسة و الإنتصار

بروح كهذه تلونت تلك اللحظات المجيدة من عمر هذا الوطن العظيم حتى أشرقت شمس يوم الفخر المصري السادس من أكتوبر تشرين الاول – العاشر من رمضان لعام 73.



عانت مصر كما عانت الأمة العربية بأكملها من هزيمة لازلنا ندفع ثمنها حتي اليوم.  هزيمة نابعة من تولي أصحاب الثقة مناصبهم بدلا من أصحاب الخبرة. يوم أن صار البكباشي مشيرا يقود أقوي الجيوش العربية فيما لا يملك من القدرات ما يأهله لأن يقود كتيبة واحدة. و يوم أن سيطر حلم الزعامة و جنون العظمة على شخص عادي أراد أن يكون زعيما للعرب. و يوم أن أراد كاتب أن تجد تجربته السياسية التي يكتبها من وحي خياله طريقها للعالمية. يوم أراد هيكل أن يجعل من عبد الناصر زعيما للتاريخ و أراد ناصر أن يجعل من عامر قائدا عسكريا للتاريخ و ما أراد عامر إلا أن يكتب الإنكسار للشعب المصري في هذا اليوم من التاريخ الخامس من يونيو حزيران لعام 1967.

عبد الناصر الذي كان لا يهتم سوى بشكله و هيبته فقط أمام الدول العربية حتى و لو كان هذا على حساب الدولة المصرية. فكان عبد الناصر لا يسمع إلا صوته فقط. فعبد الناصر لم يدرس الحرب من النواحي السياسية و لا العسكرية و لا الإقتصادية و لا من حيث العلاقات الدولية أو التأثير المعنوي على الشعب المصري. فمما لا شك فيه أن عبد الناصر هو المسئول الأول عن هذه الهزيمة النكراء حينما راوده غروره بغلق القناة و سحب القوات الدولية و إعلان الحرب على إسرائيل.

محمد حسنين هيكل و هو المستشار الوفي و الصديق المقرب من عبد الناصر. أراد هيكل أن يصنع من عبد الناصر زعيما للتاريخ بتجربة ناصرية خالصة على غرار لينين. هيكل أيضا هو صاحب كل القرارات التي إتخذها عبد الناصر قبل نشوب حرب 67. أراد هيكل عن طريق إقناع الرئيس جمال عبد الناصر بغلق الملاحة أمام إسرائيل و سحب القوات الدولية من سيناء و إعلان إستنفار الجيش المصري صناعة بطل و زعيم عربي أسطوري. فلم يكن في مخيلة هيكل و لا عبد الناصر أن إسرائيل قادرة على شن الحرب في هذا التوقيت. فالنتيجة الواضحة لنصائح هيكل كانت ما أسماه هيكل نفسة “بالنكسة” بدلا من الهزيمة.

في يوم ذهب فيه إلى فراشه و هو يحمل على كتفه رتبة البكباشي حتى يستيقظ في النهار و هو يحمل رتبة المشير أعلى الرتب العسكرية في الجيش. عامر الذي لم يكن فقط قائد الجيش المصري و لكن كان قائد للجيش العربي بأكمله. لم تكن نكسه يونيو الإخفاق الأول لعامر الذي ورط مصر في إستمرار حرب اليمن و كذلك كونه السبب الرئيسي وراء فشل الوحدة فيما بين مصر و سوريا. و إذا نظرت إلى قصة المشير عامر يوم النكسة تكاد تموت من الضجك. فقد كان السيد قائد الجيش يطير من القاهرة إلى إحدى مدن القناة. و هو في الجو فوجئ بطيران العدو يطير من حوله فطلب من قائد الطائرة العودة فورا إلى مطار القاهرة ثم خرج  ليوقف تاكسي أجرة و يطلب منه أن يوصله إلى مقر وزارة الحربية.

محمد فوزي الذي لا يعرف كثير من الناس أنه كان رئيس أركان الجيش المصري في وقت النكسة. فوزي الذي يريد تبرأة نفسه من جريمة هو من أكبر المشاركين فيها . فهو يعد من أسوأ من أنجبت العسكرية المصرية في تاريخها الحديث. فوزي الذي إمتلأ قلبه بروح الإنتقام و الحقد أكثر مما إمتلأ بحب هذا الوطن. فكما أشارت الكثير من التقارير و المذكرات أن مكتب محمد فوزي قد حصل على إشارة ”عجلون“ و هي الإشارة المتفق عليها من الجانب الأردني حينما يريد تنبيه مصر من هجوم إسرائيلي و لكنه لم يتحرك فقط من أجل توريط غريمه المشير عامر. فالخلاصة أنه من أجل أن يتخلص فوزي من عامر أراد أن تدفع مصر كلها هذا الثمن.

فالنكسة كانت نتيجة تخبط في جيش كان له أكثر من قيادة. جيش كان معظمه يحارب في اليمن من أجل عيون عبد الناصر. جيش كان قائده الميداني في سيناء الفريق مرتجى يتلقى تعليمات متضاربة يوم بعد يوم. جيش لم يكن أبدا سببا في الهزيمة بل كان أكبر ضحاياها. جيش لم يكتب له أن يقاتل و لم تحن له الفرصة أن يقاتل. و قيادة سياسية كانت على أتم العلم بنشوب الحرب من تقارير الجهات السيادية و لكنها أرادت أن تضيع كرامة هذا الشعب العظيم.

فرغم ثقل الهزيمة و ضياع الأرض و إهتزاز الكرامة عام 67 لم يكن الزعيم العربي الذي ولد في صعيد مصر يؤمن إلا بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة هكذا لا إبتزاز و لا مساومات و لا ذلك الذي يصفوه بفن الممكن من الحلول الدبلوماسية. أيقن عبد الناصر في هذا التوقيت أنه يتحمل مسؤولية ما حدث و أن عليه تصحيح المسار الوطني حتى أنه صرح بصورة مباشرة في أحد خطاباته بان ” النكسات ليست كنوبات البرد أو الإتفلوانزا يمكن أن يتعرض لها الإنسان بين فترة و أخرى و المسألة أو صميم المسألة أنه بعد النكسة ليس هناك بديل أمامنا عندما نقرر ضرورة العمل العسكري غير تحقيق النصر.“

بدأت مصر تخوض واحدة من أشرف معاركها الوطنية و هي حرب الإستنزاف التي أرادت من خلالها مصر أن تنشر الأمل بين جموع شعوب الوطن العربي و تعيد الثقة مرة ثانية في نقوس جنود قواتنا المسلحة. كان على رأس هذا التغيير من العسكريين الشهيد عبد المنعم رياض فخر القوات المسلحة المصرية. رئيس الأركان الذي لم يجلس في مكتبه و فقط بل إنه أستشهد وسط جنوده على خط النار.  إنهالت العروض على عبد الناصر بتسليمه سيناء كاملة في مقابل سلام منفرد مع إسرائيل و لكنه كان شديد الوضوح أنه لن يقبل إلا بعودة كل شبر في الأرض العربية. كانت حرب الإستنزاف هي بلا شك المقدمة لحرب حتمية يجب على المصريين الإنتصار فيها و لكن القدر لم يمهل جمال عبد الناصر.

فيما وجد السادات نفسه فجأة رئيسا لكبرى الدول العربية كان السوفييت في مواجهة الامريكيين قانعيين بحالة اللاسلم و اللا حرب و كان الامريكيون يبحثون عن مخرج لهم من معجنة فيتنام و كان الإسرائليون في إنتظار الراية البيضاء من العرب. كان السادات شديد الإيمان أن العمل السياسي و الدبلوماسي هو السبيل الأعظم للحصول مرة الأخرى على الأرض المصرية. كان السادات لا يعتني أبدا بحقيقة أن على مصر تحمل مسؤولية إعادة باقي الأراضي العربية و أنه إذا دخل في حرب عسكرية فإن الهدف الرئيسي منها هو تحريك الوضع السياسي من أجل إجبار الإسرائليين للجلوس على مائدة المفاوضات.

بدأت مرحلة جديدة في تاريخ القوات المسلحة المصرية بتعيين الفريق أول محمد صادق وزيرا للحربية  و الذي تم إستبداله فيما بعد بالفريق أول أحمد إسماعيل و تم تعيين الفريق سعد الدين الشاذلي رئيسا لهيئة الأركان. إلتقت برجماتية السادات مع حرفية الشاذلي إذ كانت الطموحات المصرية قبل هذا التوقيت أكبر من إمكانياتها  الواقعية. فالشاذلي هذا الرجل العسكري العظيم صاحب هذا التاريخ المشرف أشرف بنقسه على وضح خطة حربية تسمح لمصر تغيير خارطة الشرق الأوسط و هزيمة الجيش الذى أراد أن يقول على نفسه أنه الجيش الذي لم يقهر و تحقيق إنتصار عسكري مصري ليبقى في ذاكرة تاريخ العسكرية العالمية أكبر إنتصار في العصر الحديث.

ففي الخامس من اكتوبر تشرين الأول لعام 73 كانت سعاد حسني تتألق في إستمرار عرض أنجح أفلامها “خلي بالك من زوزو” و كان النادي الأهلي المصري قد فاز على المريخ السوداني و كان الإسرائليون يجهزون الإحتفال لعيد الغفران و كان إلعاذر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يهدد العرب على الملأ و كان الجندي الإسرائيلي يعيش في قمة ثقته في نقسه و كان الجندي المصري لا يدري متى يتحقق حلمه و كان الفريق الشاذلي وحيدا يقف على خط النار الأول يدور في خياله كل السيناريوهات المتوقعه لما سيحدث في صباح الغد. بروح كهذه تلونت تلك اللحظات المجيدة من عمر هذا الوطن العظيم حتى أشرقت شمس يوم الفخر المصري السادس من أكتوبر تشرين الاول – العاشر من رمضان لعام 73.

جاء يوم السادس من أكتوبر حينما أشرقت شمس الكرامة العربية و تحقق نصر عسكري مصري لا غبار عليه. لم يكن فقط نصرا عسكريا إنما كان نصرا على كل المستويات.

نصر على المستوى الشعبي حينما صمد أعظم شعوب العالم أمام كل ما واجهه من صعوبات عظيمة و لكنه أراد أن يضرب أعظم معاني الوطنية و الفداء. شعب إستطاع أن يتحمل أزمات إقتصادية طاحنة. شعب إستطاع أن يتقبل أن لا يجد طعامه اليومي. و أمام كل هذه الظروف لم يقف الشعب عائقا امام دولته و قيادته السياسية. كان الشعب يدرك في هذا التوقيت أن عدم مساندة مصر هي خيانة وطنية بكل المقاييس و أن عليه أن يقف صفا واحدا وراء جيشه من أجل تحقيق النصر.

نصر على المستوى السياسي حينما تمكنت الدبولماسية المصرية من قيادة عمليات التفاوض السياسية و التى من خلالها إستطاعت مصر أن تحقق أهدافها السياسية في تحقيق عملية سلام ناجحة تعيد لمصر حقوقها المسلوبة.

نصر على المستوى القانوني حينما تمكن رجال القانون الدولي المصري من قيادة حرب شرسة أمام محكمة العدل الدولية حتى تمكنت مصر من إعادة آخر شبر من الأرض المصرية و رفع العلم المصري على أرض طاب.

نصر على المستوى العربي حينما شاركت كل الدول العربية في هذا النصر العظيم. حينما أيقنت كل الدول العربية أنه مع سقوط القاهرة ستسقط كل الدول العربية و مع إنتصار القاهرة يستطيع كل شخص عربي أن يأمن على نفسه.

و بكل فخر نصر على المستوى العسكري ”حين تمكنت القوات المسلحة المصرية من إجتياح مانع قناة السويس الصعب و إجتياز خط برليف المنيع و إقامة رؤوس جسور لها على الضفة الشرقية من القناة بعد أن أفقدت العدو توازنه في ست ساعات.“

إن هذا النصر العظيم لم يكن ليتحقق لولا تغيير عقيدة الشعب المصري الذى أدرك أنه لا مفر من الإصطفاف الوطني و إعطاء الثقة الكاملة في رجال القوات المسلحة المصرية الذين يبذلون أغلى ما يملك الإنسان ليحافظوا على أمن و إستقرار هذا الوطن و يسطروا بالعرق و الدم أغلى الإنتصارات الوطنية. يتحقق النصر حينما ندرك أن الأبطال الحقيقين يخرجون من وسط جموع هذا الشعب يؤمنون بأن عليهم مسؤوليات وطنية تحتم عليهم بناء جسور من الأحلام و الطموحات و العمل و الأمل يعبر من خلالها باقي الشعب من يأس التشاؤم إلى رجاء البناء و التقدم و الحضارة.

إنه و بعد هذا النصر العظيم كان عدد من رجال مصر المخلصين قد عادوا إليها من خطوط النار يحكون للصغار كيف ألهمهم الله أن يردوا إلى مصر و إلى الأمة العربية بأكملها جزء من أرضها و كثيرا من الكرامة. اليوم و بعد 44 عاما لا تزال روح اكتوبر تشرين الاول من عام 1973 تسكن داخل صدور و قلوب هؤلاء الرجال حتى في قبورهم و لكنها تتلاشى يوما بعد يوم وسط سحابات من اليأس أراد كثير ممن يخونون هذا الوطن تحت مسمى الوطنية أن ينشروها في نفوس الشعب المصري.  كيف لنا أن ندرك انه ليس فقط الأرض الذي يمكن أن يحتل و لكنها الثقة التى أراد كثير من الناس ان يفقدها هذا الشعب العظيم في مستقبل بلده التى ستكون من أعظم دول العالم.

إن جيل أكتوبر لن يتكرر مرة اخرى و إن كل ما يجب علينا فعله في هذا التوقيت أن نترحم و نتذكر كل هؤلاء الذين كتبوا أسمائهم بالدم من أجل أن تحيا مصر. يجب أن نجلس إلى كل من تبقى منهم لنتعلم كيف تحملوا الأمانة و كيف عاهدوا الله على أن يكون جيلهم هو جيل النصر. كيف تركوا لنا أعلام هذه الدولة العظيمة ” مرتفعة هاماتها عزيزة صواريها.” كيف تركوا لنا رايات النصر مخضبة بدمائهم الزكية. كيف حافظوا على ” رؤوسهم عالية في السماء وقت أن كانت جباههم تنزف الدم و الألم و المرارة . “كيف علينا أن نتخطي ”مرارة الهزيمة و آلامها“ كي نصل إلى “حلاوة النصر و آماله.“

و أختم بقول السادات ”ذلك أن اعتقادى دائماً كان ولا يزال أن التمني بلا إرادة نوع من أحلام اليقظة، يرفض حبي وولائي لهذا الوطن أن نقع في سرابه أو في ضبابه، عاهدت الله وعاهدتكم على أن نثبت للعالم أن نكسة سنة 1967 كانت استثناءا في تاريخنا وليست قاعدة وقد كنت في هذا أصدر عن إيمان بالتاريخ يستوعب ( سبعة الاف سنة من الحضارة ) ويستشرف آفاقاً أعلم علم اليقين نضال شعبنا وأمتنا لبلوغها والوصول إليها وتأكيد قيمها وأحلامها العظمى.“