النجدان

إلى كل من اختلط عليه الأمر، وكل حائر وكل ظانٍ أنه ضلّ الطريق، إلى كل من لم يختر طريقه بعد ومن اختار سلفاً وكل من يقفو وجهته المنشوده.



ألّا تركن لأحد القطبين، أقصى اليمين أو أقصى اليسار لهو عين السواء. إن بعد زُهاء خمسة عشر ربيعاً، ينقسم الطريق وقد لا يلوح في الأفق إلا شقّيه والشباب ضرير أهوج لا يرى مِن خلف منظار الينوع ولا يبصر إلا لونين: الأبيض والأسود، لا شأن له بالمنعطفات والحنايا ولا يميّز إذا ما اختلط الأبيض بالأسود. والحق، أنه ما من مسلك أسهل من التطرّف ولزوم أحد الشقين اللذين ينفرجان عن زقاق صغير في منتهى المفترق يُسمى الاعتدال، ذاك الطريق الفرعي الذي يسلكه النبهاء اختصاراً للمسافات والتيه برغم كونه زقاق كباقي الأزقة يعج بالمنعطفات والتعرجات والمضايق، إلا أنه الطريق المختصر للوجهة المنشودة: وجهة العثور على الذات، فإنه لا يُعقل أن كل النفوس تنتمي لأحد اثنين، وللحقيقة ألف وجه فلتختر الوجه الذي يروقك.

إن طريق الوسط لا يتبرأ من الطريقين الآخرين، كما أن الرمادي لا ينسلُّ من بين الأبيض والأسود فإن الأبيض والأسود هما ما أوجد الرمادي، ولولا انشقاق الطريق ما خُلِقٓ الزقاق، ولولا الجانبين ما وُلِدَ الوسط، نحن فقط نستعير بعضاً من هذا وبعضاً من ذاك، ففطرتنا السوية تستعير من الأبيض ما يهدينا وسجيتنا المظلمة تستعير من الأسود ما يلزم للحفاظ على بشريتنا وعقلنا يختار الوسط ليوظِّف خيرنا وشرنا في دروب الحياة. فهنا انساب الخير وهنا استطار الشر وهنا تغافل كلاهما وساد الوسط وهنا اندمجا فٓوُلِد الصواب وهنا اختصما فنَبُتَ التيه.
وبين طيّات النضوج وحنايا الحياة تتجاذبك الأقطاب، فتارة تلزم الدين وتارة تجفوه، حيناً تبرّ والديك وحيناً تعقهما، تنغلق وهلة وتنفتح وهلة، تستذكر بعض الشيء وتلهو البعض الآخر، حتى أنك لتكاد تنكر على نفسك تناقضاتها لكن لا بأس، فإنه ليس من المفترض أن تختار وأنت بعد صبي ولكنه من المفترض ألا تنجرف وأنت بعد لم تعِ. إن الينوع يستعذب التجربة فلتجرِّب، واستعر دوماً بعضاً من أبيضك في كل تجربة ليقيك من أسودك.
وبعد سنين عدداً تختار، ولكنك لا تختار أبيضاً أو أسوداً، تختار إما أفتح درجات الرمادي أو أكحلها، تختار أن تميل للأبيض ما استطعت أو تنجرف للأسود بما أوتيت من عزم، لكن أبداً لا تلزم أحد القطبين وتردم الوسط، ذره لوقت الحاجة ودوماً ادّكر الآتي: إياك أن تميل كل الميل لئلا يستعصي عليك الاعتدال يوماً إذا ما التقى المتنافران.