قاتل الابتسامة

قاتلها المسكين هرب من سجن صغير إلى سجن أكبر



كعادتي كنت أتابع الأعمال الخاصة بالفروع المختلفة لإنسايدر. كنت أتحدث إلى مريم إسماعيل رئيسة تحرير إنسايدر بالجامعة الأمريكية للتحدث عن آخر مستجدات العدد المطبوع الذي سيصدر قريباً. كانت مريم قد قالت لي في السابق إن البنت اللى مسئولة عن تصميم العدد مش بترد عليها. كنت هذه المرة أكثر حدة في سؤالي عن إذا كان تصميم العدد قد انتهى من عدمه وإذا كانت البنت اللي بتعمل التصميم مش عايزه ترد علينا خلينا نشوف حد غيرها وخلاص. كان رد مريم صادماً للغاية “علاء نور عملت حادثة و هي في غيبوبة في المستشفى”.

في هذه الأثناء أدركت أن الاهتمام بإنهاء الأعمال الخاصة بالجريدة أمر مهم ولكن الاهتمام بكل فرد يعمل داخل المؤسسة هو أمر شديد الأهمية. سألت مريم إذا كان بإمكاني زيارة نور في المستشفى، وقررت أن أقوم بالزيارة في اليوم التالي مباشرة. كنت أدرك أن نور ترقد في سلام تام في غيبوبة لا تشعر بأحد ولكنى أردت أن أعتذر لها. في اليوم التالي ذهبت إلى مكتبي في الصباح الباكر. مرت ساعات قليلة حتى تلقيت رسالة من مريم تخبرني فيها بوفاة نور. قد تلقيت الخبر في ندم شديد لأنني لم أذهب لإلقاء نظرة الوداع على نور في مساء اليوم السابق وأسرعت إلى المنزل للاستعداد لأداء صلاة الجنازة.

وصلت إلى المسجد وقد كان الحزن يسيطر على المكان. دخلت المسجد وهو المكان ذاته الذي تلقينا فيه خبر وفاة جدتي، وكذلك قد صليت هنا منذ سنتين الجنازة على أحد أقرب الأصدقاء إلى قلبي ” محمد راشد “.

دخلت إلى المسجد وأنا أفكر في آخر مرة قابلت فيها نور. كان المكان وقتها الجامعة الأمريكية بوسط البلد وكان الزمان منذ ما يقرب من شهر وكان الحدث هو مؤتمر إنسايدر للصحافة الطلابية. كنت أقف على المسرح بجوار صديقي شاهير شاهين، مؤسس إنسايدر. مع إعلان جائزة أفضل عدد مطبوع، همس في أذني أن نور ستكون سعيدة للغاية علشان تعبت في التصميم. كانت نور تجلس في الصف الثالث بزي برتقالي وقد كنت أنظر إليها لأتابع ردة فعلها فور إعلان النتيجة. كانت ردة الفعل بسيطة كصاحبتها و قد صعدت على المسرح بابتسامتها المعتادة لتستلم الجائزة.

فور انتهاء صلاة الجنازة تحركنا إلى المقابر حيث المثوى الأخير لنور. كانت مشاعر الحزن والألم هي السائدة حتى قابلت “فرح أنور” الأخت الأكبر لنور عند خروجي من المسجد.

كانت فرح في زيها الأبيض تقف ناظرة إلى جثمان أختها بابتسامة تحمل كثير من المعاني. حينها فقط تذكرت حقيقة الموت بأنه الحياة الأبدية. تذكرت وقتها أن نور تركت من تحبهم لتذهب إلى من يحبها. فكرت جيداً في كل هذه الامور وأدركت أن هذا الموقف لا يستحق سوى الابتسامة.

في الطريق إلى المقابر تذكرت تفاصيل الحادث التي قد سمعتها في المسجد. فكرت كثيراً في هذا القاتل الذي تسبب في مقتل نور. يعتقد هذا القاتل وأهله أنهم بخطتهم الجهنمية قد مكنوه من الهروب من السجن. و لكن هذا المسكين قد هرب من سجن صغير إلى سجن أكبر. لا أدري كيف يستطيع هذا القاتل أن ينام ليلاً وقد قتل بتهوره هذه الابتسامة البريئة. ولكننى أعتقد أن إبتسامة نور ستظل تلاحق هذا القاتل وأهله الذين لا يملكون ضمير ولا أخلاق. وأعتقد أنه من المناسب تماماً أن يتم تدريس هذه الأسرة كمثال على هؤلاء الذين تجردوا من كل معاني الإنسانية.

حينما وصلنا إلى المقابر كانت هذه هى النظرة الأخيرة. وقفت وقتها مبتسماً وحمدت الله كثيرا على نعمة يوم القيامة. ذلك اليوم الذي سنقابل فيه نور بابتسامتها المعتادة وسنحتفل سوياً بعد أن يصدر الله الإله الواحد العدل حكمه على قاتل الابتسامة.

إن نور تعيش الآن في سلام في الوقت الذي لا ينعم فيه قاتلها إلا بالخوف و القلق. إن قاتل نور و أسرته قد أعدوا خطة محكمة للهروب من عدالة الأرض. ولكنني أتساءل إذا كان لديهم خطة أخرى للهروب من عدالة السماء.

ذهبت نور و بقيت الابتسامة التي دائماً ما سأتذكرها وأبتسم.