الحب فيه سم قاتل

يمكننا تطويع السردية كيفما شئنا، فمثلا يمكنني تصوير أبي كشيطان حاول أن يحرقني حين أختلفت معه، ويمكنني تصويره كقديس تخلى عن مُتع الحياة لأجلي... لكن الحقيقة أعقد من مجرد سردية ثنائية بين الخير والشر.



إنه اليوم الذي يسبق إعلان نتيجة الثانوية العامة؛ لا أذكر أنني رأيت أبي بهذا الغضب من قبل، قالت أمي الشيء نفسه عني، لم تشهدني في هذه الحالة الهيستيرية قط. رسم والدّي حياتي في سن مبكرة للغاية؛ عندما كنت أًسئل ماذا أريد أن أصبح عندما أكبر، كان أبي يبادر بالإجابة أوينتظر مني إجابة مماثلة؛ “دكتورة”. أعجز عن تفسير السبب وراء موافقتي العمياء على خطط والدّي؛ ربما كانت مدفوعة بحماس أوخوف من العقاب أو محاولة يائسة للحصول على قبولهم أو ربما فقط لأنني كنت أجهل ماذا يمكن “للأوائل” أن يصبحوا غير ذلك. عندما أدركت أن الحياة لا تقتصرعلى الطب والهندسة فقط بدأت رسم حياتي لنفسي، هنا بالتحديد أنهار كل شيء بالنسبة لأبي. “مش هدخل غير الي عاوزاه” صرخت وأنا أرتجف من الغضب. “لو مدخلتيش طب مش هتتعلمي تاني” هددني أبي بحزم، وأظن أنه كان يعنيه حقًا.

أبي من قرية صغيرة في محافظة قنا، وبرغم استقراره في الاسكندرية منذ كان شابًا في عمري، قد حرص لأكثر من عشرين عامًا أن نقضي أسبوعًا على الأقل كل صيف تقريبًا في قريته ومع أهله. في صغري كنت أكره تلك الزيارة أشد الكره، أتذمر من ساعات السفر الطويلة، ومن حرارة الجو، والأتربة ومن الطعام ومن كل شيء تقريبًا. تدليل أعمامي المفرط لي على أمل أن أحب المكان لم يزدني حينها سوى عنادًا. بمرور السنين، لم أعتد هذه الرحلة الإجبارية فقط، بل أصبحت أشعر بحزن عميق كلما حان موعد عودتنا إلى الاسكندرية. لم يتغير شيء خلال كل تلك السنوات سواي أنا، في كل مرة أذهب إلى هناك، تغمرني المحبة ويملؤني دفء غريب لا أجد مثله في مدينتي. ولسنين طويلة أيضًا، لازم المحبة الاحساس بالذنب، ولازم الدفء نار تحرق صدري وتأكل روحي.

بداية بالمرحلة الاعدادية، ينمو عند الفتيات وعي بسوء أحوال النساء في مجتمعنا، وبمرور السنين وبالانخراط أكثر في المجتمع ينمو هذا الوعي أكثر ليصحبه إحساس عميق بالسخط. ذلك النوع من الوعي ليس اختيارًا أو رفاهية، بل حتمية وجودية تلازم النساء بشكل أو بآخر. لذلك القصة ستكون منطقية أكثر لو كانت معكوسة، لو أنني كرهت القرية مع إدراكي لسوء أحوال النساء هناك. كأن الزمن توقف على أعتاب قريتي الصغيرة؛ مازال الختان يُمارس بكثرة، مازال تعليم الفتيات خارج القرية يُقابل بالرفض القاطع، مازال زواج القاصرات سائد على زواج الراشدين، مازالت أغلب النساء هناك لا يرثن أبدًا حتى ولو كانت السيدة عزباء، مطلقة أو أرملة، وبرغم ذلك أغلب النساء غير عاملات حتى لو حصلن على تعليم جامعي. لا يقوم بهذه الممارسات أهل قرية صغيرة في الريف المصري البعيد فقط، بل يقوم بها من يربطني بهم رابطة الدم التي يذكرني بها أبي دومًا.

بالنسبة لي، أحظى بمعاملة خاصة جدًا بين بنات عمومتي، يظهر الفرق في المعاملة بمجرد أن تطء قدماي محطة قطار “أبوتشت”؛ فأنا أرتدي ما أشاء تقريبًا من بناطيل وفساتين قصيرة وألوان زاهية دون تعليق سلبي يُذكر من أعمامي أو من أبنائهم بل على العكس تمامًا تكون التعليقات إيجابية، أحظى باحترام ذكور العائلة هناك فلا أُنادى بغير اسمي أو يُصرخ في وجهي أو يُطلب مني خدمتهم لمجرد أنهم ذكور بما فيهم أخوتي، يحتفي أعمامي بتعليمي أكثر من أبي نفسه أحيانًا، بالتأكيد لا أخطو خطوة واحدة خارج بيت العائلة دون أحد من أبناء عمي حتى لو كان يصغرني بعشر سنوات لكن المشي خارج البيت بذاته رفاهية لا تملكها من هن في مثل سني من بنات عمومتي. أبسط الحقوق الانسانية هناك امتياز قد تكونين محظوظة بامتلاكه أو لا حسب حظك في أهلك فقط. ربما وقعت في حب الجلادين لأنهم لا يجلدونني أنا.

بعد أربع سنوات تقريبًا من يوم شجاري أنا ووالدي، أرى الآن صورة أكثر وضوحًا. أبي الوحيد الحاصل على تعليمٍ عالٍ بين سبع أخوات وأخوة، قرر الاستقرار في الاسكندرية بعدما تزوج من أمي ليس انبهارًا بالمدينة ولكن طمعًا فيها؛ أراد أبي حياة أفضل لأولاده، حياة بعيدة عن مشاكل الريف وعقباته. قُوبِل قراره بالرفض حينًا وبالابتزاز حينًا والتعنيف حينًا آخر، اُتهِمت أمي بالسِحر، وقاطع جدي أبي لعدة سنوات حتى أستسلم للأمر الواقع في نهاية الأمر. كل هذا دفع أبواي لتكريس حياتهم لي ولأخوتي بل بالكاد أفنوها بالكامل في حياتنا، ولأنني أكبر أخوتي سنًا، كان حظي من الموارد هو الأوفر؛ وبالمقابل راهن والدي على نجاحي فبالنسبة له، أنا دليل حي على صحة قراره بترك القرية لذلك أراد باستماتة أن ألتحق بكلية الطب؛ لأنها كانت مفهومه الوحيد عن النجاح. كلفه قراره بالإضافة لسنين عمره، عجزه عن وداع أبويه الوداع الأخير، وبرغم هذا لم أره يبكي إلا حين اتخذت قرار خاطئ بالنسبة له. أنا ممتنة لتضحيات أبواي؛ لولا تضحيتهم لم أكن لأكون أنا ولكنني أدفع ثمن تلك التضحيات أيضًا؛ فأنا أجُلد بنفس السوط الذي تجلد به فتيات القرية فأبي بدوره يمسك بطرف من أطراف السوط حتى لو كان نفس السوط الذي ألتف حول رقبته يومًا.

أفنى أبواي حياتهم في حياتي حتى تماهى الخط الفاصل بين ما هو لهم وما هو لي، حتى أنا، ورغم تشبثي باستقلالي المدفوع بسخطي على تماهيهم، أعجز عن التفريق أحيانًا. ولهذا لازمني الاحساس بالذنب طوال حياتي تقريبًا، حين كنت أشعر بالغضب والاستياء من قسوة أبي في كل مرة عاقبني فيها على كل درجة أنقصها في أي امتحان مهما بلغت تفاهته، وحين قررت التمرد على خطته لحياتي، وعندما وقعت في حب حبيبي الأول، وبعد ما دخنت أول سيجارة، والأسوء، عندما تأكدت أنني أحبه رغم كل شيء. أبي جزء من النظام الممنهج لقمع النساء حتى ولو لم يدرك هذا، لكنه ليس أبي فقط؛ أبي وأمي وأعمامي وخالاتي وأجدادي وجداتي، كلهم جزء من النظام أدوا ويؤدون دورهم في القمع. لم أرث منهم الدم فقط، فقد ورثت من أبي عناده ومن أمي سرعة غضبها ومن عمي تهوره ومن جدتي عيناها وحزنها الدائم. كلهم جزء من النظام، وجزء مني أنا أيضًا. كيف ألفظهم من جسدي؟ والأهم، كيف ألفظهم من قلبي؟ لم أكن لأكون أنا دونهم، بالتأكيد شكلتني تجربتي وساهمت في تطوير شخصيتي لكنهم هم من وفروا المواد الأولية لبناء تلك الشخصية. هل مشاعر الحب والتقدير الذي أحملها لهم ليست إلا (Stockholm Syndrome) [1] ؟

[2]

هوايتي المفضلة عند ذهابي “للبلد” هي الإنصات والمراقبة، أنصت لحكايا الجدات والعمات، وأعود للمدينة بعد كل زيارة مُحملة بعشرات القصص والنوادر، لهذا لم توفر لي المدينة نماذج لنساء قويات مثلما وفرته تلك القرية الصغيرة. فخالة أبي على سبيل المثال بنت بيتها بيدها، هذا ليس بالمجاز؛ حكت لي في مرة أنها كانت تنقل الطوب والرمال على ظهرها وتزاحم العمال وتشرف عليهم بنفسها، “ميحكش ضهرك إلا ضفرك” هكذا علمتني خالة أبي التي بالكاد أراها ثلاث أيام أو أقل سنويًا. “تقف النساء على أكتاف بعض” هكذا علمتني خالة أخرى دافعت عن خروج أبي وأمي من القرية التي لم تخرج هي منها قط. “ما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بالحيلة” هكذا تعلمت من جدتي التي صممت على أخذ نصيبها من ميراث أبيها، أكتب هذا المقال على الأرض التي حاربت جدتي لأجلها والتي بفضلها يملك أبي وأخوته بيت كبير مكون من أربعة طوابق ودوار واسع. على الجانب الآخر، أشد الرجال قسوة وظلمًا وازدواجية عرفتهم في المدينة وليس في القرية.

يمكننا تطويع السردية كيفما شئنا، فمثلا يمكنني تصوير أبي كشيطان حاول أن يحرقني حين أختلفت معه، ويمكنني تصويره كقديس تخلى عن مُتع الحياة لأجلي. يمكنني تصوير أعمامي كرجال غلاظ لا يعرفون الرحمة ولا العدل أو كمحاربين أقوياء بذلوا أرواحهم هم أيضًا في سبيل حماية نساء العائلة من ظلم رجال آخرين. يمكنني تصوير جداتي كضحايا أو كناجيات أو كمنتقمات بارعات، لكن الحقيقة أعقد من مجرد سردية ثنائية بين الخير والشر. هم أيضًا بشر بمخاوف وتاريخ طويل من الإساءة وحيل دفاعية لنسيانها وجهل بكل هذا، هم أيضًا بشر فعلوا ما استطاعوا فعله لينجوا هم ومن يحبون. لا أظن أنهم تعمدوا الأذى لكن إدراك حسن نوايهم لا يمحي أثر الأذى ولا يشفي ندوبه. هم جزء من النظام ولكنهم أيضًا ضحاياه. لا أظن أن التعاطف معهم كأفراد ينفي بالضرورة مشروعية القضايا النسوية. في النهاية، تحارب النسوية الأفكار وتهدد القيم الصدأة لا الأشخاص، تهدد النسوية الامتيازات الذكورية لا الرجال نفسهم، فقط لأن تلك الامتيازات مجحفة لنا كنساء. نحن نريد تجربة إنسانية نعاني فيها من صراع تحقيق الذات بدلًا من الصراع على أبسط الحقوق الإنسانية كالحق في التعليم والعمل والسلطة على الجسد وحرية الاختيار وغيرهم من البديهيات الأخلاقية. تهدد النسوية قيم الأسرة هذا لأنها قائمة أصلا على التمييز والقمع.

كل هذا لم يجب عن سؤالي الذي أرقني لسنين، لماذا وقعت في حب الجلادين؟ ربما لعجزي عن اختزالهم في هذا الدور، ولم أقبل اختزالي في دور الضحية أو الناجية بدوري، ولأن المشاعر البشرية معقدة ولأن رابط الدم لعنة تلازمنا أينما كنا. لا تخدم هذه الرؤية الفردية الصراع النسوي الجمعي. ربما لا يجدر بها أن تفعل، في النهاية لا تعبر تلك الرؤية سوى عن تجربة فردية وعن إدراكي الحالي لأبعاد تلك التجربة. ما أريد قوله حقًا أن علاقتنا بأهلنا معقدة لكنها أيضًا متغيرة لذلك الاختزال وال labeling غير مفيدين لو كان الهدف منهم الاقتراب من الحقيقة.

لم ألتحق بكلية الطب، كان هذا قراري ورغم جهلي بأبعاده حتى الآن ورغم تساؤلي أحيانًا لو كان هذا القرار مدفوع بشغفي الخاص أم برغبة في التمرد لذاته فقط، لا أشعر بالندم بقدر ما أشعر برغبة محمومة في النجاح. المثير للسخرية أنني أكرر ما فعله أبي بالضبط. سواء أعجبه ذلك أم لا، ورثت منه العناد والحزم ورغبته في إثبات وجهة نظره. لن أتفاجئ لو تغيرت رؤيتي مرة أخرى، لكن هذه المرة قررت توثيقها لعلني أجد منفذًا لارتباك مشاعري حيال كل هذا ولعل فتاة أخرى تقرأ تلك الكلمات وتشعر أنها ليست وحدها وأننا نتشارك نفس الذنب وأننا ينبغي علينا أن نسامح أنفسنا على أخطائنا كما سامحناهم.

هوامش:

[1] ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو مَن أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يُظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المُختَطَف مع المُختَطِف. وتسمى أيضاً برابطة الأَسْر أو الخطف.

[2] كارتوون: بكل الحب – بواسطة أنديل لمدى مصر.

ملاحظات الكاتب:

يعبر المقال عن تجربة ذاتية وعن حالة شعورية اجتاحتني في زيارة هذا العام ولم أجد منفذ لتلك المشاعر المربكة سوى الكتابة.  ولذلك فضلت كمحررة المحافظة على صورة المقال الأولية دون مراجعته لغويًا أو حتى تعديله جماليًا. الأخطاء هنا مقصودة لذلك وجب التنويه.