الحق في الا نعرف

هل نحن محظوظين بعيشنا وسط هذا التقدم الحضاري والتكنولوجي الذي يسهل حصولنا على المعلومات؟ هل يجدر بنا التفكير في مصير البشرية بعد كل هذا؟ هل لنا الحق في الا نعرف؟



Welcome to the internet, have a look around”

Everything your brain of yours thinks of can be found

We got mountains of content… some better, some worse

“If none of it interests you, you’ll be the one

   الحق في المعرفة هو حق إنساني أصيل..، بالتأكيد يفرض النظام العالمي الحالي حدودًا على الوصول لتلك المعرفة بالطرق المشروعة، ولكن تاريخنا الحديث مملوءؤ بأبطالٍ آمنوا بهذا الحق مما دفعهم لطرق غير مشروعة كلفتهم حريتهم وأمانهم وأرواحهم أحيانًا. هذا ما اختاره الأمريكي (ادوارد سنودن) [1] عام 2013م عندما سرّب تفاصيل مشروع التجسس الأمريكي [2] (Prism) للصحافة.

“إن كانت الحكومة الأمريكية تتجسس على المواطنين الأمريكيين، يجب أن يعرف الشعب الأمريكي بذلك.”

   هكذا برر (سنودن) فعلته التي يراها البعض خيانة عظمى لبلده، وعلى الرغم من حصوله على جائزة (سام آدمز)، وترشحه لجائزة نوبل للسلام، إلا أن بطولته كلفته الفرار من بلده؛ خوفًا على حياته، وهربًا من الملاحقة القانونية للسلطات الأمريكية.

   وعلى الرغم من كثرة القيود، إلا أنه من المؤكد أن البشرية لم يسبق لها أن تحيا عصرًا يمتلك فيه الأفراد آليات الوصول للمعرفة أكثر من هذا العصر، نحن نمتلك العالم كله بين يدينا، هذا ليس بالمجاز على الإطلاق؛ فبضغطة زرٍ وفي بضع ثوانٍي، يمكننا الاطلاع على مواد مسجلة بالصوت والصورة لجرائم الجيش الأمريكي في العراق أثناء الغزو عام 2003م [3]، ويمكننا قراءة مذكرات (هتلر) و( آن فرانك) [4] على حدٍ سواء، ويمكننا أن نعرف تفاصيل مرعبة عن الإتجار بالبشر في الهند، والعنف في هندوراس، ويمكننا أن نشاهد بأعيننا كيف كان الوضع خلال زلزال دولة هايتي الأخير [5]، بالرغم من أننا لم نكن وربما لن نكون هناك قط.

   كوكبنا يحترق وسط جائحة عالمية أودت بحياة الملايين وعرضت حياة ملايين أخرى الناس لأزمات اقتصادية واجتماعية لن يتعافوا منها سريعًا، والأسوء هي حقيقة أن جائحة كوفيد-19 لن تكون الأخيرة؛ يرجح أغلب الخبراء أننا الآن نقف عند نقطة تحول هامة في تاريخ الإنسانية.

   هل الألفية الثالثة هي الوقت المناسب حقًا لنحيا؟ هل نحن محظوظون بعيشنا وسط هذا التقدم الحضاري والتكنولوجي الذي يسهل حصولنا على المعلومات؟ هل يجدر بنا التفكير في مصير البشرية بعد كل هذا كله؟ هل لنا حق ألا نعرف؟ بصيغة أخرى، هل ينبغي حقًا أن نعرف ما يحدث حولنا من مآسٍ؟ وهل يصبح جهلنا حينها غير أخلاقي؟ لا يوجد إجابة سهلة على هذه الأسئلة، وربما لا توجد إجابة صحيحة بالكامل من الناحية الأخلاقية أيضًا.

“موت إنسان واحد هو مأساة كبرى وموت الملايين مجرد إحصاءئيات”

   من السهل تجاهل مَن تعجز أعيننا عن رؤيتهم، وحتى لو شهدنا مأساتهم، من الصعب التعاطف [6] مع أعداد كبيرة من البشر في آنٍ واحد.

   يسمي (بول سلوفيك) _أستاذ علم النفس بجامعة أوريغون الأمريكية_ هذه الظاهرة بالخدر النفسي (Psychic Numbing)؛ كلما ازداد عدد ضحايا كارثة ما، قلَّت احتمالية التعاطف معهم، والأسوء، قلَّت المحاولات لمساعدتهم. من الناحية التطورية، البشر مبرمجون على مساعدة القريبين منهم نفسيًا كالأهل والأصدقاء، أو مكانيًا؛ لاحتمالية أن يمسهم ذلك الأذى هم أيضًا.

   عوضًا عن ذلك، قدرة البشر على تخيل أعداد كبيرة قاصرة جدًا وغير كافية للتحرك لحل المشكلة،. جرب على سبيل المثال تخيل وجود 65.3 مليون نازح في العالم الآن، هل يمكنك حقًا أن تدرك هذا العدد من المآسي الفردية؟ على النقيض، كيف ستتأثر لو عرض عليك قصة طفل واحد نازح؟ كل هذا بالإضافة إلى ما يسميه (سلوفيك) بالإحساس الكاذب باللا فاعلية (False Sense of Inefficacy)، حيث تقل محاولات المساعدة بسبب إحساس الأفراد الكاذب بعدم فاعلية تلك المحاولات أمام الأعداد الهائلة المتأثرة بأزمة معينة.

   في تجربة لـ (سلوفيك) وطلابه لاختبار هذه الظاهرة، عُرِض طفل جائعًا على مجموعة من المتطوعين، وكانت النتيجة تبرع المشاركين بنسبة معينة، وعندما عُرِض نفس الطفل بنفس تفاصيل التجربة نفسها على مجموعة أخرى مع اختلاف وحيد وهو ذِكر أعداد الأطفال الجوعى في العالم، قلَّت نسبة التبرعات إلى النصف، على الرغم من أنه في كلا الحالتين تم إنقاذ طفل واحد من الجوع.

   ربما نحتاج القليل من الخيال لنتذكر من لا يمكننا رؤيتهم حتى نتعاطف معهم، لكن كيف نفعل ذلك ونحن نعلم أن لقدرتنا على التعاطف حدود؟ ونحن نعلم أن تعاطفنا قد يكون غير عادلٍ أحيانًا، عوضًا عن كونه قاصرًا على أحداث متغيرة بعيدة المدى من الأساس؟

   يجادل بعض علماء النفس _من ضمنهم (سلوفيك)_: إنه لا يجدر بنا الاعتماد على التعاطف في القضايا الأخلاقية لما يصاحب التعاطف من قصورٍ ومشكلات أخلاقية كالانحياز على سبيل المثال، ولحل هذه المشكلة، ينبغي أن يكون دافعنا الأخلاقي للمساعدة نابع من المنطق، لا العاطفة ويجب علينا التفكير في الحقائق الموجودة أسفل البيانات بحذر وبمنهجية مدروسة.

   يُشبِّه (سلوفيك) هذا الأسلوب بتحصيل الضرائب؛ فالحكومة لا تترك مشاعر المواطنين تُحدد المبلغ الذي يدينون به للدولة، بنفس الطريقة نفسها في الأزمات الأخلاقية، فيجب أن نؤسس قوانين ومؤسسات لا تعتمد على مشاعر التعاطف اللحظية.

   على الجانب الآخر، يجادل بعض المتخصصين في علم النفس ومنهم (ويليام ا. كننغهام)، _أستاذ علم النفس بجامعة تورنتو_:، إن المشكلة ليست في قدرتنا على التعاطف نفسها؛ بل في اختياراتنا الشخصية وفي الطريقة التي يُظهر بها الإعلام المشكلة؛ فالقدرة على التعاطف تقل بزيادة عدد الضحايا، ولكن هذا التأثير سينعكس تمامًا لو أقنعت الناس أنهم لن يضطروا لاستثمار جزء كبير من أموالهم ووقتهم في مساعدة الضحايا، كما تختلف القدرة على تعاطف الأشخاص باختلاف معتقداتهم الشخصية؛ فمثلًا تنكسر قاعدة (Psychic Numbing) في المجتمعات التي تُقدر فيها المعاناة الجماعية كالمجتمعات البدوية.

   وعلى الرغم من اتفاق الطرفين على حدود التعاطف البشري، يرى (كننغهام) أن القدرة على التعاطف تختلف حسب ما يريد الناس الشعور به بدلًا من التكاليف، الفاعلية، أو القيم،. وبناءً على ذلك، يمكننا التعاطف مع فئات أكثر تنوعًا وعددًا عندما نحاول تفهم معاناتهم أكثر.

   بتجاهلنا مآسي العالم وبؤسه، تصبح حياتنا اليومية أسهل، عوضًا عن تحقيقنا لمكاسب شخصية أكثر؛ بسبب لتركيز اهتمامنا على حياتنا نحن فقط، ربما نعير القدر الكافي من الاهتمام لمن نحب لكي نترك أثرًا في حياتهم، ربما يكفينا هذا القدر الضئيل من الأثر.

   ماذا تفيد معرفتنا بمأآساة أشخاص لم ولن نقابلهم على أي حال؟ عوضًا عن ذلك، ماذا تفيد معرفتنا بمأساة الغير إن كنا نعجز عن مساعدتهم في الأساس؟ المعرفة وما يصحبها من شعور بالمسئؤولية مكلفة جدًا على المستوى الذهني والعاطفي كما أنها قد تشتت تركيزنا عمَّا يمكننا التحكم به حقًا في حياتنا الشخصية.

   كل هذه المشاكلات تدفعنا للتساؤل، لماذا يجب أن نهتم؟ هل نحارب طبيعتنا البشرية في سبيل الشعور بالنبل؟

   على الرغم من أن التجاهل أسهل على المدى القصير، لكنه مكلف ويهدد وجودنا في المستقبل. نحن نعيش حياة واحدة، أحيانًا، تكون حياة واحدة كافية لاختبار التجربة الإنسانية إلى أقصى مدى، لن يحدث هذا إن لم نسمح لأنفسنا بأن ننموا خارج ذواتنا، دون أن نعلم عن تجارب وحيوات غيرنا، ودون أن نتيح لأنفسنا الفرصة لنؤثّر في غيرنا، ربما هكذا فقط نحيا حتى بعد موتنا.

   إحساسنا بالمسؤولية معضلة أخرى؛ عندما تتحرك مشاعرنا تجاه أزمة معينة، نرغب بصدق أن نساعد، بالتأكيد لا يمكن إنكار الجهود الفردية في المساعدة وتحسين الأوضاع على مستوى المحدود، لكن لا يجدر بالأفراد تحمل المسئؤولية وحدهم على كل حال،. فعلى سبيل المثال: يشعر الكثير من الأفراد حول العالم بواجبهم نحو البيئة فيستبدلون الأكياس البلاستيكية بأخرى قطنية وورقية، أو يعيدون تدوير المخلفات، أو يلجأون للألواح الشمسية في توليد الطاقة في حين أن المسؤول الأول عن الاحتباس الحراري والتلوث البيئي هو المصانع والشركات الكبرى ليس الأفراد، هذا لا يعني انعدام وقوع المسؤولية على الأفراد، ففي النهاية هم من يشترون منتجات تلك المصانع، عوضًا عن قدرتهم على دفع عجلة التغيير بالضغط على أصحاب المصانع والشركات لتغيير سياستهم.

“نحن نعيش على ترامبولين (مِنَطّة)، إن تحركنا، سنؤثر على مجموعة كبيرة من الناس”[8]

   سواء أدركنا هذه الحقيقة أما لا، نحن فعلًا قادرون على التأثير على حياة عدد هائل من البشر، .و جائحة كوفيد-19 خير مثال، فالإجراءات الاحترازية تهدف في المقام الأول إلى حماية أشخاص غيرنا، منهم الفئات الأضعف من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، أشخاص قد لا نراهم أبدًا.

   من كان ليتخيل أن شخصًا واحدًا في أحد المدن الصينية البعيدة سيتسبب في موت الملايين حول العالم من الأساس؟ المعرفة وما يصحبها من شعور بالمسؤولية مكلفة بالفعل، لكنه ثمن ضروري في سبيل أن نكون أشخاصًا أفضل في دوائرنا الصغيرة، والمساهمة ولو قليلًا في تخفيف آلام البشرية.. في النهاية، ما يجمعنا هو حقيقة أننا بشر، وهذا في حد ذاته مسؤولية هائلة.

   يوجد الآن عدد هائل من المشكلات المتنوعة، من مشكلة التغير المناخي، لمشكلة اللاجئين، إلى أعمال العنف، إلى فظائع ترتكب بحق الأبرياء في عدة بلاد.

   بعد الهولوكوست، تعهدنا بألا يتكرر هذا مرة أخرى، ومع ذلك، ما زال هناك العشرات من الفظائع الجماعية التي لا ندري عنها حتى. بالتأكيد نحتاج أن نعمل بجد أكبر لكي نحل تلك المشكلات، لكن لنتمكن فعلًا من حلها، يجب أن نؤمن بعجزنا عن حل كل المشكلات في وقت واحد.

   ولنتخطى ذلك العجز؛ علينا أن نخلق وعيًا أوسع بتلك المشكلات، وإيجاد طرق أكثر فاعلية لحلها، و يجب أن ندرك مشكلات معاييرنا الأخلاقية الحالية، معايير ما نظنه نُبل إنساني، وأن نقاوم إغراء الشعور الكاذب بذلك النُّبل مقابل إيجاد حلول أفضل.

   لا تدور المشكلة حول فعل ما يُشعِرنا أننا أشخاص طيبون دون الالتفات للأثر الفعلي لقراراتنا، بل في حلها فعلًا. الأهم من ذلك كله، إشراك المزيد من الأشخاص في حل هذه المشكلات.

تدقيق لغوي: محمد حمدي

هوامش:

[1]: مقطع من أغنية “Welcome to the internet”

[2]: عمل ادوارد سنودن كموظفًا لدى وكالة المخابرات المركزية، حيث عمل كمتعاقدًا مع وكالة الأمن القومي قبل أن يسرّب تفاصيل برنامج التجسس بريسم إلى الصحافة،. وفي يونيو 2013م سرّب سنودن مواد مصنفة على أنها سرية للغاية من وكالة الأمن القومي، منها برنامج (Prism) إلى صحيفة الجغارديان، وصحيفة الواشنطن بوست.

[3]: برنامج تجسس رقمي مصنف بأنه سري للغاية، يُشّغل من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، حيث يتيح مراقبة عميقةمعمقة للاتصالات الحية والمعلومات المخزنة،. ويمكّن من استهداف أي عميل لشركة منخرطة في برنامج (Prism)، في حالة كان هذا العميل يسكن خارج الولايات المتحدة، أو كان مواطنًا أمريكيًا له اتصالات بأشخاص خارج الولايات المتحدة. البيانات التي يقال أنإن (Prism) يمكنهِّن من الحصول عليها تتضمن:، رسائل البريد الإلكتروني، ومحادثات الفيديو والصوت، والصور، والاتصالات الصوتية عبرببرتوكول الإنترنت، وعمليات نقل الملفات، وإخطارات الولوج، وتفاصيل الشبكات الاجتماعية.

[4]: تسريب وثائق حرب العراق:  سُرِبَت  وثائق بمجموع 391,832 وثيقة من التقارير الميدانية لجيش الولايات المتحدة، وتسمى أيضاً سجلات حرب العراق في الفترة ما بين عام 2004م إلى عام 2009م،. ولقد سربت هذه الوثائق إلى مؤسسات إعلامية دولية ونشرت على شبكة الإنترنت بواسطة ويكيليكس في 22 أكتوبر 2010م،. وتشير الوثائق إلى مقتل 66,081 مدني عراقي من أصل 109.000 قتيل. يعد هذا التسريب هو الأكبر من نوعه في التاريخ العسكري للولايات المتحدة.

[5]: كاتبة ألمانية وواحدة من أكثر ضحايا الهولوكوست شهرةً، وتعد مذكرتها عن الحرب “مذكرات فتاة صغيرة” من أكثر الكتب مبيعًا على الإطلاق.

[6]: ضرب زلزال مدمر قوته 7.2 ريختر دولة هايتي في البحر الكاريبي راح ضحيته أكثر من 1297 قتيلًا.

[7]: المقصود بالتعاطف (Empathy) فيEmpathy) في هذا المقال: هي القدرة على الإحساس بمشاعر شخص آخر، وليس (sympathy): وهو الفهم العقلاني لمعاناة شخص آخر.

[8]: اقتباس للفيلسوفة كارول جيليجان.

مصادر وقراءات أخرى:

https://www.vox.com/explainers/2017/7/19/15925506/psychic-numbing-paul-slovic-apathy

https://theconversation.com/does-empathy-have-limits-72637

It’s easy to ignore the people we can’t see

https://www.amacad.org/publication/ethical-dimensions-global-environmental-issues

https://greatergood.berkeley.edu/article/item/right_and_wrong_in_the_real_world

https://aeon.co/essays/why-is-it-so-easy-to-dehumanise-a-victim-of-violence