حتى أرباب الأوليمب يبكون

"بعد كل ما حدث، شعرت أنه يجب علي العودة لهذه الرياضة، لكي أكون صوتًا، لكي يحدث تغيير. إذا لم يكن هناك ناجيات متبقيات في هذه الرياضة، لتجاهلوا الأمر"



برشاقةٍ وخِفةٍ، تَقْفِزُ عاليًا في الهواءِ لِتُحلّق لثوانٍ، تلتف وتدور حتى تهبط بقدمها على الأرض مجددًا دُون أن يختل توازنها، ودون نقطة عرق واحدة على جبينها.

يلقبونها ب (The GOAT) اختصارًا لـ(The Greatest of All Time)، ولِما لا؟ فقد سيطرت (سيمون بايلز) على ساحة الجمباز لقرابة عَقدٍ كامل من الزمن منذ أن كانت في السادسةِ عشر من عمرها بمجموع سبعٍ وعشرين ميداليةً ذهبيةً، وخمس ميدالياتٍ فضية، وأربع ميدالياتٍ برونزية، وذلك من أصل خمس وثلاثين ميدالية، منهم خمس ذهبيات حصلت عليهم في أولمبياد ريو 2016، مما يجعلها المرأة الوحيدة منذ نصف قرن التي تفوز بميدالية ذهبية في كل سباق أولمبي شاركت فيه، مهاراتها غير البشرية جزء من حكاية أهم لاعبة جمباز في التاريخ.

أولمبياد طوكيو 2020، تستعد (بايلز) للقفز مجددًا لكنها ترتجف، تقفز قفزةً مترددةً وضعيفةً، تكاد تسقط على ركبتيها وتؤذي نفسها، لكنها تسقط بسلامٍ في النهاية، يهرعُ إليها أحد أفراد الطاقم الطبي ليطمئن عليها، تُطمئنه (بايلز) وترتدي سترتها البيضاء، وتحول نظرها نحو فريقها، نظرة كافية ليدرك الفريق أنّ عليهم استكمال المنافسات دونها..، بعد دقائق، أعلنت (بايلز) انسحابها من هذه الدورة، قالت (بايلز) أنها انسحبت من أجل سلامتها النفسية، لكن اُختزل قرارها بوصفه نتيجة للضغط النفسي التي تعرضت له فقط! ظلم كبير لها، الضغط النفسي جزء طبيعي من المنافسة، لكن موقف (بايلز) أكثر تعقيدًا.
“بعد كل ما حدث، شعرتُ أنه يجب عليّ العودة لهذه الرياضة؛ لكي أكون صوتًا؛ لكي يحدث تغييرًا. إذا لم يكن هناك ناجيات متبقيات في هذه الرياضة، لتجاهلوا الأمر” هكذا بررت (بايلز) مشاركتها في أولمبياد طوكيو هذا العام.

لم تكن مسيرتها سهلة على الإطلاق؛ وُلدت (بايلز) في بيتٍ مضطرب مِن أمٍ مُدمنة للكحول وأب يقضي عقوبات في السجن بتهم السرقة والسطو المسلح والاعتداء، وفي عُمرٍ صغيرٍ جدًا وُضِعت (بايلز) وأشقاؤها الأربعة في دور رعاية الأطفال حتى تبنّاهم جدها وزوجته، بدأت (بايلز) مسيرتها الرياضية مبكرًا وتميزت مبكرًا، تَميُّزِها وَضَعها تحت الأضواء من صغرها، ولكنه عرّضها لقسوة العالم مبكرًا أكثر من اللازم أيضًا؛ حيث التصريحات العنصرية -بسبب لونها- من أحد لاعبات الجمباز الشهيرات، إضافة إلى وصم أحد الأطباء لجسدها بأنه (عضلي وضخم أكثر من اللازم)، إلى تسريب تفاصيل تشخيصها باضطراب (ADHD) وبروتوكول علاجها الذي كان السبب في اتهامها باطلًا باستخدام (مهلوسات).

وكأن جائحة الكوفيد-19 لم تكن قاسية كفاية في 2020، بُرِّئ أخو (بايلز) العام الماضي من تهمة قتل غير متعمدة لعدم كفاية الأدلة.

من المؤكد أن هذا كله كثيرًا على فتاة لم تتخط الثانية والعشرين من العمر بعد، وعلى الرغم من المعاناة، لمع نجم (بايلز) لتصبح رمزًا حي للفتيات الصغيرات من الطبقات الاجتماعية والاقتصادية قليلة الحظ، وأنهن بمقدورهن التغلب على المعوقات كلها؛ ليحققن أحلامهن؛ وليعشن حياة كريمة.

تحدي الصعاب هو جوهر الرياضة في الأساس؛ الرياضة تَكشفُ آخر حدود قدراتنا البشرية، تُذكرنا أنّ معاناتنا لا تُحدِّد مَن نحن في النهاية.

-لماذا انسحبت بايلز إذن؟ ماذا قصدت بوصف نفسها ناجية؟-

في 2018م حُكِم على طبيب اتحاد الجمباز الأمريكي السابق (لاري نصار) ذو السابعة والخمسين عامًا وقتها، بالسجن مائة وسبعة وخمسين عامًا بعد أن ثَبُتت تُهمٌ عليه: الاعتداءات الجنسية على أطفال واستغلالهم إباحيًا خلال مسيرة عمله التي دامت إلى خمسة وثلاثين عامًا اعتدى فيهم (نصار) على أكثر من مائة وستين طفلة وقاصر أكثرهن من لاعبات الجمباز. وجدت الـ(FBI) أدلة صادمة، منها حيازته على ما يقارب من خمسة وثلاثين ألف صورة وفيديو لأطفال وقُصر يعتدي عليهم جنسيًا، لكن أكثر الأدلة بشاعة على الإطلاق، أدلة أثبتت أن اتحاد الجمباز كان يعلم هذا طوال الوقت، أدلة تدين مسئولين في الاتحاد بتواطئهم مع (نصار)، وأن الاتحاد لخمسة وثلاثين عامًا تجاهل البلاغات المستمرة من الفتيات ومن أهلهن.

(بايلز) كانت أحد ضحايا (نصار) وهي الناجية الوحيدة المعروفة التي مازالت في الرياضة بعد محاكمته، من المؤكد أنها نجت من اعتداءاته المستمرة لها وهي طفلة، لكن هل نجت (بايلز) من الاتحاد الذي فشل في وظيفته الوحيدة في حمايتها وحماية زميلاتها؟ هل نجت من نفس الاتحاد الذي دافع عن قرار انسحابها لأن ما يهمهم هو سلامتها؟
صرحت (بايلز) في 2019م: “من الصعب العودة إلى المؤسسة نفسها التي خذلتنا مرة بعد مرة، لقد كان لدينا هدف واحد، وفعلنا كل ما طلبتموه منا، حتى عندما لم نُرِد هذا، وفي المقابل لم تقوموا بوظيفتكم الوحيدة”.

وفي تصريح لجريدة (Times) قبل سفرها لطوكيو قالت:
“سأذهب إلى هناك وأُمثل الولايات المتحدة الأمريكية، وأُمثل مركز أبطال العالم، وأُمثل الفتيات السوداوات والبُنّيّات في جميع أنحاء العالم، في نهاية اليوم أنا لا أمثل الاتحاد الأمريكي للجمباز”.
التحدث علنًا ضد الاعتداءات التي تتعرض لها اللاعبات في الرياضة جزء لا يتجزأ من سبب عودة (بايلز) للألعاب الأولمبية، ولكن في نهاية الأمر، انسحبت (بايلز) من المنافسة تاركة وراءها علامات استفاهم كثيرة، هل فشلت (سيمون بايلز) في الدفاع عمّا جاءت لأجله؟ هل خذلت فريقها وبلدها وخذلتنا جميعًا؟
من السهل إطلاق الأحكام عليها، من السهل وصفها بالشجاعة أو الخذلان، لكن السؤال المهم ليس كونها بطلة أو خائنة، السؤال هو ماذا لو أخطأت (بايلز)؟ ماذا يحدث عندما نكتشف أن أرباب البطولات بشر مثلنا؟

“في نهاية اليوم، نحن بشر أيضًا، علينا حماية أذهاننا وأجسادنا بدلًا من مجرد الخروج والقيام بما يريدنا العالم القيام به، عادة لا يسمعني أحد أقول أشياءً من هذا القبيل، عادة ما أُثابر وأَدفع نفسي، لكن لن أفعل هذا عندما تكون ميدالية الفريق على المحك، لذلك يجب أن نأخذ الأمر بجدية، وكنت محظوظةً بوجودِ الأشخاصِ المناسبين حولي للقيام بذلك”، صرحت (بايلز) للإعلام بعد انسحابها، وأضافت باكية:
“جئت إلى هنا وأنا أشعر أنني مازلت أفعل هذا لإرضاء الآخرين، ما أُحب القيام به سُلِب مني لإرضائهم وهذا مزق قلبي”
أحيانًا ننسى أنّ رموزنا وعلى الرغم من بطولتهم، أنَّهم بشرٌ مثلنا تمامًا، من لحمٍ ودمٍ ومخاوفٍ، وأنّ طاقة تحملهم بشرية قد تنفد دون سابق إنذار، ولن تختار الوقت المناسب لتفعل، أحيانًا ننسى أنّ أبطالنا يصارعون وحوشهم الخاصة، وحتى أجساد أكثر الرياضيين تفانٍ تعصي أوامرهم بالـمُضي قدمًا. فتاة سمراء من أسرةٍ مُمزقة كسرت التوقعات كلها، وفي كل مرة فعلَت هذا علّقنا عليها آمالًا أكبر بحجة أن بطولاتها استثنائية، لكن هذه المرة الحِمل كان أثقل من أن تتحمله (بايلز).
“أشعر أنني أحمل ثقل العالم كله بين كتفي” هكذا كتبت على حسابها على الإنستجرام قبل أن تقفز أول وآخر قفزة في أولمبياد هذا العام، بالتأكيد شعرت (بايلز) بثقل العالم، لكن قرارها بالانسحاب لم يحررها من هذا الثقل، انتقاد العالم كله لها لم يجعل الأمر سهلًا.
لا نعلم حتى الآن لو أنّ (بايلز) ستُجازى بسبب انسحابها، ولكن إن لم يحدث، ستُرسِل الأولمبياد رسالة مهمة للعالم كله (المرض النفسي حجة كافية للانسحاب مثل الإصابات الجسدية) وكأي رسالة قد يُساء فَهمُهَا، قد يُساء فَهم وتطبيق هذه أيضًا، ولكن خطر تجاهلها بالكامل أكبر بكثير.
ربما (بايلز) محظوظة بتواجدها في مكانٍ يضعُ الصحة النفسية للفرد أولوية قبل الانتصارات المادية، امتياز لا يحصل عليه كثير من أفراد الطبقات الاجتماعية والاقتصادية قليلة الحظ.
خيارُ الانسحاب قد لا يكون متاحًا أو قد يكلفنا أكثر من اللازم، ولكن من الجيد أن نتذكر أن الأولمبياد بدأت بمشاركة رجال بيض أرستقراطيين فقط، لكن الآن يوجد مكان لكل رياضي مؤهل كفاية، دون النظر إلى عرقه، جنسه، لونه، أو ديانته. يكفي فقط أن تَخلص للرياضة وتؤمن بأخلاقياتها لتنافس على مكانك في العالم، ربما يومًا ما سنجد مكانًا آمن للتنافس، مكانًا لا تكون فيه الصحة النفسية على الـمَحك.
لم تفشل (بايلز) في الدفاع عمّا جاءت لأجله دون انسحابها، ربما لم يكن ليأخذ الاتحاد أزمة تواطئه مع (نصار) بجدية، ربما كدنا ننسى أنَّ (بايلز) إنسانة تعرضت لظلم من مؤسسة كان من المفترض أن تحميها، وأنّ المرض النفسي قد يُهدد سلامتنا الجسدية أيضًا، ربما خسرت سيمون بايلز( ميداليتها الذهبية هذه الدورة)، لكنها بشجاعتها وصدقها وموقفها تجاه العنف والاستغلال مازالت (The GOAT).

 

تدقيق لُغوي: محمد حمدي.

المصادر:

https://www.nytimes.com/2021/07/28/sports/olympics/simone-biles-out.htmlhttps://edition.cnn.com/2021/07/27/sport/simone-biles-tokyo-2020-olympics/index.htmlhttps://www.washingtonpost.com/sports/olympics/2021/07/29/simone-biles-larry-nassar-fbi/https://youtu.be/kYjTQBVrFrQhttps://edition.cnn.com/2021/07/27/sport/simone-biles-tokyo-olympics-withdrawal-spt-trnd/index.htmlhttps://www.washingtonpost.com/sports/olympics/2021/07/27/olympic-gymnastics-live-updates-womens-final/