الاغتصاب الزوجي _ أجسادنا ليست ملكية خاصة

في أغلب المجتمعات القديمة، ولأن عقد الزواج كان بمثابة موافقة دائمة على ممارسة الجنس، وبسبب اعتباره حق أصيل للزوج، لم يتم سلب حق "الموافقة" من المرأة وحسب، بل لم يُعترف به من الأساس.



  أثار مسلسل “لعبة نيوتن” أزمة مسكوت عنها في مجتمعنا، رغم تشارك أغلب نساء المجتمع إن لم يكن كلهن رعب تجربتها وألم ذكراها.

يُعرف الاغتصاب الزوجي على أنه “إجبار الزوج زوجته على ممارسة الجنس ضد إرادتها”، يمثل غياب الموافقة الركن الأساسي للاغتصاب الزوجي- الذي قد يشمل أو لا يشمل العنف الجسدي- لكنه ينطوي بكل تأكيد على أشكال أخرى من العنف كالعنف النفسي، والعنف الاقتصادي.

برغم احتمالية وقوع الرجال ضحايا للاغتصاب الزوجي، يصنف الاغتصاب الزوجي على أنه عنف قائم على أساس النوع الاجتماعي (gender) حيث أن أغلب ضحاياه من النساء، ورغم تعدد أشكال العنف على أساس النوع، لا يمكن فصلها عن بعضها، فالاغتصاب الزوجي مرتبط ارتباطا وثيقا بالعنف الأسري، والزوجي، والجنسي والاقتصادي وغيرها، لذلك، لا يمكننا فصل مشكلة اجتماعية معقدة كالاغتصاب الزوجي عن سياقها الاجتماعي والتاريخي والقانوني.

عادة ما يصنف الاغتصاب الزوجي كعرض للعنف الأسري المزمن الذي تتعرض له النساء في الزيجات المسيئة (abusive marriage)، كما يتداخل مع الممارسات الثقافية، الايدلوجيات المجتمعية، النظرة التقليدية لمنظومة الزواج، المعتقدات الجامدة عن الرجل وجنسانية المرأة، والتعنت الديني من بعض رجال الدين في مختلف أنحاء العالم وفي مختلف الحقب الزمنية.

لأغلب التاريخ البشري المسجل، أُعتبٍر الاغتصاب انتهاك ملكية رجل من رجل اّخر، سواء كان المالك أب، أخ، عم، أو زوج، كما أنه جريمة في حق شرف العائلة وطهارة الضحية وعذريتها في أوقات كثيرة، ورغم صرامة عقوبة الاغتصاب في أغلب الثقافات والتي كانت تصل أحيانا إلى القتل، أو الاخصاء أو فقأ العينين، كانت العقوبة العملية أقل قسوة في أغلب الأوقات، كان ينتهي الأمر بفدية مالية يدفعها الجاني لأهل الضحية أو بزواج الضحية من الجاني أو في أحيان كثيرة بلوم الضحية لعدم الصراخ والدفاع عن نفسها.

في أغلب المجتمعات القديمة، لم يُعترف بالاغتصاب الزوجي كجريمة، لأن عقد الزواج كان بمثابة موافقة دائمة على ممارسة الجنس بين الزوج والزوجة، وبسبب اعتبار الجنس حق أصيل للزوج، لم يتم تجاهل حق “الموافقة” للمرأة وحسب، بل لم يعترف به من الأساس.

أنكرت المجتمعات -ومازال ينكر بعضها- جنسانية المرأة، سواء ضمنيا بالتجاهل التام، أو بممارسات ممنهجة كالختان، وأنكرت حقها في جسدها، فالزواج كان ومازال إلى يومنا هذا ذي أشكال مدحضة كالزواج بالاكراه أو في ظروف غير سليمة كزواج القصر أو جهل المتزوجات حديثا عن العملية الجنسية من الأساس.

تصنيف الاغتصاب كجريمة عنف جسدي ضد الضحية، واعتداء على حقها الانساني الفطري في التحكم في جسدها، واتخاذ قرارت مستقلة بشأنه يعتبر تصنيف حديث زمانيًا وثقافيًا، في منتصف القرن الماضي، وبفضل الحراك النسوي، تغير فهم المجتمعات للاعتداءات الجنسية بأنها مرتبطة بموازين القوة والسيطرة وليس الجنس فقط، تم تجريم الاغتصاب الزوجي في أغلب دول العالم قبل نهاية القرن العشرين، وبحلول الألفية الثانية وتحت ظل المحاولات العالمية الموحدة للقضاء على العنف القائم على أساس النوع (gender)، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979 اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” أو “سيداو” (CEDAW) وهي وثيقة دولية تقر الحقوق الدولية للنساء والتي وقعت عليها 189 دولة من بينهم مصر.

في حين أن الاغتصاب من قبل شخص غريب أمر مؤلم للغاية، فإنه عادة ما يكون حدثًا لمرة واحدة ويُفهم بوضوح على أنه اغتصاب، يختلف الأمر في حالة الاغتصاب الزوجي، حيث يؤثر تاريخ العلاقة على ردود أفعال الضحية، تُظهِر الأبحاث أن الاغتصاب الزوجي يمكن أن يكون أكثر ضررا نفسيًا وجسديًا من الاغتصاب من قبل شخص غريب، حيث عادة ما يحدث الاغتصاب الزوجي كجزء من علاقة مسيئة، تُضيف الصدمة الناتجة عن الاغتصاب تعقيدا أكثر إلى تأثير الأفعال الأخرى غير اللائقة، أو الكلام المسيء والمهين، أو التهديد والتخويف، علاوة على ذلك ، نادرًا ما يكون الاغتصاب الزوجي حدثًا لمرة واحدة، بل يكون حدث متكرر، سواءً حدث مرة واحدة، أو كان جزءًا من نمط ثابت من العنف المنزلي، فإن له عواقب وخيمة على المدى الطويل على الضحايا، بغض النظر عما إذا كان الاعتداء قد تمت مقاضاته أم لا، بالإضافة إلى إنكار شريحة كبيرة من الضحايا أن ما يتعرضن له هو اغتصاب، وأنه غير مقبول، ولا يمكن تبريره في أي سياق كحيلة نفسية دفاعية (defense mechanism) لتمكنهن من معايشة الأذى.

في أشكال الاغتصاب الأخرى يمكن للضحية أن تنأى بنفسها عن صحبة المغتصب ولا تتفاعل معه مرة أخرى أبدًا، أما في حالة الاغتصاب الزوجي، ورغم منطقية اختيار الانفصال، غالبًا لا يكون للضحايا خيار سوى الاستمرار في العيش مع أزواجهن، الطلاق في مجتمعنا مشكلة بحدة ذاتها، من وصم المطلقات، بطئ الاجراءات، سهولة التحايل على القانون والقوانين نفسها،
رصدت سجلات محاكم الأسرة في مصر أن 60% من الزوجات الشاكيات يتعرضن لاغتصاب زوجي، كما كشف الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عام 2019 عن وصول معدلات العنف الأسري ضد النساء إلى 34%، بجانب تعرض نحو 90% من السيدات للختان، وفي دراسة للمجلس القومي، اعترف 4 من كل 5 رجال في الدراسة أنهم يمارسوا أو مارسوا شكل من أشكال العنف ضد زوجاتهم، كما كشف الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أن معدلات زواج القاصرات في عام 2017 وصلت إلى 40% من مجمل حالات الزواج في مصر، ورغم فداحة تلك الاحصائيات، تقدر الحالات التي لا يتم الإبلاغ عنها بأضعاف الأرقام المعلنة.

لا يمكن تجاهل العنف الممنهج ضد النساء بعد الآن، فوسائل التواصل الاجتماعي سهلت مشاركة النساء لقصصهن، تجاربهن، وخبراتهن، أصبح للنساء صوت مسموع ومساحات آمنة يعبرن فيها عن أنفسهن، نساء اليوم أكثر وعيًا من الأجيال السابقة بحقوقهن، وككل التغييرات الاجتماعية الجذرية، دائمًا ما تكون الخطوة الأولى هي النقاش.

 

المصادر:

Kersti Yllo, Gabrielle M. Torres (2016). Marital Rape: Consent, Marriage, and Social Change in a Global Context

Hasday, Jill Elaine (2000). “Contest and Consent: A Legal History of Marital Rape

https://m.alwafd.news/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%B1/1785912-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AD%D8%B5%D8%A7%D8%A1-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-118-%D8%A3%D9%84%D9%81-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D8%AC-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D9%84-40-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%88%D8%A7%D8%AC-%D9%81%D9%89-%D9%85%D8%B5%D8%B1

https://www.elbalad.news/4070927