ما وراء التنمر

أن الحديث عن التنمر يبدو مضحكًا هذه الأيام حتى يؤذيك أحدهم ببعض من الكلمات هنا تكتشف أنه لم يكن مضحكًا كما اعتقدت.



” أريد الموت الآن”….”أريد أن أضرب رأسي بالزجاج”….”أريد أن يقتلني أحدهم ويطعنني”…

هزت هذه الكلمات مواقع التواصل الاجتماعي حيث نطقها Quaden Bayles طفل في التاسعة من عمره يعاني من التقزم بسبب ما يشهده من تنمر في مدرسته بصفة متكررة، ليست كلماتٌ لطيفةٌ لتصدر من طفل أليس كذلك؟ وحدها المعاناة التي قد تدفع طفلًا للتفوه بمثل تلك الكلمات القاسية في عمر من المفترض به أن يُحاط فيه بالحب والتربية السوية.

لم يعاني الطفل الأسترالي وحده من مثل هذه المضايقات، بل يعاني منها الملايين كل يوم؛ راغبين في إلقاء أنفسهم بداخل حفرة للتخلص من هذه الآلام، ثم نتفاجأ من حين لآخر بحالة انتحار جديدة نتيجة للتنمر؛ فتبدأ معها حملات عدة لتوعية المواطنين بمفهومه وكيفية الحد منه؛ حتى أنه أصبح مصطلح دارج ولكن أكان هذا كفيل للقضاء على الظاهرة؟

الحقيقة هي أنه رغم الوعي بمخاطره، إلا أنه أصبح موضوعًا هزليًا يتناوله الكثيرون لتتعالى ضحكاتهم عند ذكره، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

أصبحت الكلمة مقرونة بالضعف والإلحاح على الشكوى من زاويتهم ليتحول مَن يطلب المساعدة إلى طفل شكاء يتسول الاهتمام؛ فقاموا ببناء حاجز جديد أمام المُتنَمَّر عليهم، مما يجبرنا على الاعتراف أن مثل تلك التصرفات تنبع من عدة عوامل نفسية و بيئية مثل:
١- الشعور بالإهمال والتجاهل في المنزل، أو وجود علاقة سيئة مع الأبوين.

٢- اكتساب وتعلُّم العدوانية والتنمر في المنزل، أو في المدرسة، أو من خلال وسائل الإعلام

٣- أن يكون هؤلاء الأطفال جزءًا من اتفاق، عن طريق الانضمام لمجموعة من المتنمرين طلبًا للشهرة، أو الإحساس بالتقبل من الآخرين، أو لتجنب تعرضهم للتنمر وهذا ما قد يفسر تداول التنمر على أنه مزحة.

٤- الشعور بالضعف والعجز في حياتهم؛ فحين يتم تضييق الخناق على الطفل بشكل كبير، فإنه في بعض الأحيان يبحث عن طرق أخرى للحصول على القوة وممارسة السيطرة على الآخرين.

٥- الغيرة والبحث عن الاهتمام لجذب الانتباه.

٦- الافتقار إلى الشعور بالأمان النفسي والعاطفي.

٧- تجارب سابقة نتجت عن تعلم أن التنمر يؤدي لتحقيق الرغبات.

٨- عدم الوعي بالأثر السيء الحقيقي للتنمر على الضحية.

ربما يجب أن نسلط الضوء قليلًا على العامل الأسري؛ مما يجعلنا نعود إلى أحد الكلمات المؤثرة التي أصدرها الفتى الأسترالي: “even you don’t care” مواجهًا والدته في الفيديو لتأخذنا إلى جانب الوعي الأبوي الذي أصبح مشكلة عامة لا تقتصر على مجتمعنا وحده، ولكنه يظهر بشكل ملحوظ في الشرق الأوسط؛ فالعديد من الآباء يجهلون ماهية الشعور بالحزن والألم نتيجة بضع كلمات، إذا كان الطفل يتلقى احتياجاته المادية من مأكل، وملبس، وغيره لا يولون اهتمامًا للرعاية النفسية الصحيحة لصغيرهم رغم أنه قد يلقى ضرراً يفوق ضرر مرض عضوي؛ لذا يجب أن يعلم الآباء أن التربية لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية فقط، بل نشأة إنسان كامل الأهلية خالٍ من أي اضطرابات نفسية، قادرٍ على مواجهة المجتمع، وقد يساهم ملاحظة بعض الأعراض التي قد تظهر على الأبناء لتلقي العلاج اللازم مثل:

١- القلق الزائد.

٢- الحزن والرغبة في الانسحاب

٣- اضطرابات ما بعد الصدمة

٤- نقصان الوزن أو اكتسابه دون سبب واضح.

لعلنا نرى عديدًا من المقالات تحتوي على مثل هذه الأعراض، لكن لا يتم أخذها على محمل الجد أو العمل بها لتقليل الظاهرة؛ لذا يجب العثور على حل فعال، وهنا يأتي دور الأبناء؛ حيث إن محاولة مشاركة آبائهم مدى الضرر الذي يتعرضون له في محاولة منهم لإيصال مشاعرهم قد يصنع رابطًا يعمل على تفاهم الطرفين، أما إذا استمرَّ الفتور من جانب الآباء، ذلك لا يعني الاستسلام، بل القيام بمحاولة أخرى مع أشخاص نشعر تجاههم بالود، لربما يكونوا اليد التي نحتاجها للصمود

هناك بعض الحلول يمكن أن نتخذها لتفادي المتنمرين مثل:

١- إذا ظهرتَ بشكل قوي أمام هذا المتنمر؛ ستفسد خطته وتتغلب على نظرته الدونية لك.

٢- اتخِذ موقفًا وأظهِر أنك لا تخاف، ربما لن تعمل هذه الحيلة فوراً؛ لكن تكرار هذا السلوك وإظهار ثقتك بنفسك وهدوئك سيجعلان المتنمر يصرف النظر عنك كضحية.

٣- استخدِم حس الفكاهة في مقاومة التنمر، لا تظهر تأثرك أو غضبك؛ لأن هذا هو رد الفعل الذي يريده منك، وسترى النتيجة مع تكرار دفع هذا السلوك بإظهار ثقتك بنفسك.

التنمر ليس سلوكًا يهدد الأطفال فقط، بل يمارسه البالغون أيضًا بطرق شتى؛ فتذكر دائمًا أن الحديث عن التنمر يبدو مضحكًا هذه الأيام حتى يؤذيك أحدهم ببعض من الكلمات، هنا تكتشف أنه لم يكن مضحكًا كما اعتقدتَ.

المصادر:https://i.stuff.co.nz/world/australia/119691969/the-effects-of-bullying-young-australian-boy-tells-mum-he-wants-to-die

https://www.unicef.org/egypt/ar/bullying

تدقيق لغوي: مهاب محمد.