رسالة من البرابرة إلى الإمبراطورية السماوية.

التنين الصيني في قفص بريطانيا العظمى.



تقدم المبعوث حاملًا الرسالة بين يديه المرتجفتين، وعلى وجهه ارتسمت بل وحُفِرت تعابير الوجل والرهبة؛ مما لقته عيناه منذ أن لمست قدماه البلاط الإمبراطوري، وحينما وصل حيث ينبغي أن يكون، صاح في وسط الصمت المتجمد؛ حيث الجنود المتراصة علي جانبي البهو: “رسالة من الملك چورچ الثالث إلى الإمبراطور شيان لونج”، انتابت الرجفة صوته في البداية، ولكن سرعان ما تدارك الأمر، وصار صوته حادًا، ينخُر عبابَ الصمتِ بقوة تليق بمن بعثه، فهو مبعوث تلك المملكة التي لا تغيب عنها الشمس.

كان ذلك السرد هو مجرد تخيل لذلك الموقف الذي اتخذ من الزمن بضع دقائق، ولكن غيَّرَ في مسار التاريخ سنين طوال، عندما قامت بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي بمخاطبة الصين؛ لغرض فتح أبواب أسواقها أمام تجارة بريطانيا العالمية، و كان رد إمبراطور الصين آنذاك:” أن لا حاجة لإمبراطورية السماء لاستيراد شيئًا من البرابرة”، وذلك لم يرق كثيرًا لتلك المملكة التي كانت طموحها الاستعماري في ذلك الوقت حدوده لما وراء الشمس، وبالأخص عندما بدأ استنفاذ صبر بريطانيا؛ حيث استنزاف الموارد عن طريق الصين، فكانت الفضة مقابل الشاي، والحرير، والبورسلين.

كعادة بريطانيا، لا تميل إلا إلى أقصر الطرق تحقيقًا لأهدافها بغض النظر عن صحتها، مما دفع إحدى شركاتها التي كانت تحتكر التجارة مع الصين إلى تغيير بسيط في نشاطها، فتحولت من الاستيراد إلي زراعة الأفيون وتصديره إلي الصين، كوسيلة بديلة للفضة؛ لخفض قيمة وارداتها، وبذلك تم تصدير أول شحنة أفيون للصين بعام ١٧٨١م، لينتشر الإدمان في جسد ذلك التنين الذي لم يهمد يومًا عن العمل والإنتاج ليصبح مخدرًا لا يقوى على شيء، بل وأيضًا انقلب الحال، وأصبح استنزاف الموارد من الفضة لدفع ثمن الأفيون من سوء حظ الصين؛ لتستعيد بريطانيا مواردها من جديد.

استمرت تلك الغيبوبة للتنين الصيني قرابة الخمسين عامًا، ولكن في عام ١٨٢٩م أصدر الإمبراطور “يونغ تشينج” أول مرسوم بتحريم استيراد الأفيون ليؤرق خدر مدمني الأفيون بأرجاء الصين بأجمعها، وكعادة بريطانيا في سياساتها الاستعمارية، اعتبرت مرسوم الإمبراطور هباءًا، واستمرت في حث شركاتها على زرع الأفيون وتصديره إلى الصين؛ مما دفع الإمبراطور الصيني إلى حرق ما يقرب من ألف طن من الأفيون ليبعث رسالة محددة كان مضمونها للمملكة البريطانية: “أنَّ التنين الصيني على وشك الاستيقاظ من جديد، فعليكِ الحذر”

قليل من المرات التي نجد فيها بريطانيا تنأى عن اللجوء للحلول العسكرية لحل نزاعاتها، وإن حدث عكس ذلك في القليل من المرات!، ولكن سرعان ما تتداركت بريطانيا أن القوة الغاشمة هي طريقتها الأكثر سرعة والأوجز وصولًا لهدفها، بغض النظر عما تسببه من خراب ودمار، تعتبره مملكة الضباب أنها “خسائر فرعية لابد منها”، ولذلك شنت بريطانيا حربها على الصين في عام ١٨٤٠م، وكان ذريعتها للعلن آنذاك “تطبيق مبدأ حرية التجارة”، واندلعت الحرب واستمرت قرابة العامين، استطاعت فيها بريطانيا التوغل في الصين، حتى اقتربت من البوابة البحرية لبكين، مما دفع الإمبراطور الصيني في ذلك الوقت للتفاوض، مما أثمر عن توقيع اتفاقية “نان جنج” وانتهت تلك الحرب، التي لُقِبت فيما بعد بحرب الأفيون الأولى.

كالعادة لا تكفي شهية بريطانيا إتخام بطونها، بل وتسعى للمزيد دائمًا، وكان ذلك حين أدركت أن اتفاقية “نان جنج” لم تحقق الهدف المرجو منها، فالحظر على استيراد الأفيون مازال مستمرًا، فقدمت بريطانيا مذكرة للإمبراطور الصيني آنذاك؛ لتعديل شروط اتفاقية “نان جنج” التي قوبلت بالرفض القاطع، مما دفع بريطانيا لإعلان الحرب من جديد علي الصين وذلك في عام ١٨٥٦م، وحالفتها فرنسا، وانطلقت “حرب الأفيون الثانية”، تحمل بوادر النصر لبريطانيا من جديد، بذريعتها المعهودة، لتطبيق مبدأ حرية التجارة، ويكرر التاريخ نفسه من جديد باقتراب الأُسطول البريطاني نحو ميناء تيان القريب من بكين، فرضخ الإمبراطور من جديد لتعديل الاتفاقية، وتم توقيع اتفاقية “تيان جين” في عام ١٨٥٨م، التي كانت لصالح الطرفين: البريطاني والفرنسي، حيث من ضمن بنودها تم السماح باستيراد الأفيون من جديد.

إذا نظرنا للتاريخ بأعين الصين، سنجد أن لتلك المملكة التي لم تغب عنها الشمس، بصمات حالكة السواد في كتب التاريخ البيضاء، بصمات ملطخة بالدماء في كل صفحات التاريخ، فإذا صدق القول بأن لم تغب الشمس عن تلك المملكة، فقد صدق؛ لأنها لم تشرق على مكان آخر بالعالم، فقد غرق العالم في ظلام الحرب وسفك الدماء؛ حتي تنعم بريطانيا بالضياء والسلام الدخلي، حرب الأفيون هي واحدة من جرائم بريطانيا، التي لم ولن تغفرها الصين، فقد نتج عن استيراد الصين للأفيون؛ ارتفاع عدد المدمنين من مليوني بعام ١٨٥٠ إلي ١٢٠ مليون مدمن بعام ١٨٧٨. انتهت حروب الأفيون نهائيًا في عام ١٩١١ ولكن لم تزل آثارها تعثى في الأرض فسادًا، وإذا نسى الناس فالتاريخ ذاكرة الشعوب، وإذا نظرنا للتاريخ بأعين بريطانيا، سنجد أن تلك الحرب هي أمر لابد منه لتأمين مستقبل أبناء وأحفاد المملكة، وأن ما تلطخت يد بريطانيا قط بدم، ولكن كان اختيار حر من قبل الشعب الصيني دخول تلك الدوامة التي لا نهاية لها، وتناسي أنفسهم بمحض إرادتهم، وأن بريطانيا فقط كانت تسعى لتأمين تجارتها في المنطقة بالشكل الأمثل لسياسات المملكة علي مر العصور. تلك هي أسطر التاريخ كما سُطِّرَت، أما الباقي فقد تُرِكَ لمن يقرأه.

تدقيق لغوي: محمد حمدي.