يد اللَّه

أنتظر الجميع قرار الحكم على أحر من جمر،مرت هذه الثوانٍ وكأنها ايام طوال على الأرجنتين بأكملها ليفاجئ الحكم التونسي الجميع باحتسابه جول !جول !جووول! فعلها مارادونا بث الفرحة في القلوب واعلن عن هطول الأمطار



“الكرة مع (مارادونا)، يراقبه لاعبان. (مارادونا) يسيطر على الكرة ويتجه لليمين، عبقري عالم الكرة يتخطى الثالث، سيمرر لـ(بوروتشاجا). (مارادونا) يواصل.. عبقري! عبقري! عبقري! تا تا تا تا تا تا.. جووووووووول جووووووول.. أريد البكاء! يا إلهي! فلتحيا كرة القدم! هدف خارق.. ديجول.. (مارادونا).. هذا يدفعني للبكاء.. أنا آسف. مارادونا في انطلاقة لا تُنسى.. أفضل لعبة على الإطلاق.. طائرة كونية، من أي كوكب أتيت؟ تركت خلفك كل هؤلاء الإنجليز. جعلت أمة كاملة تصرخ في صوت واحد. الأرجنتين 2 إنجلترا 0.. ديجول ديجول.. (دييجو أرماندو مارادونا)، أشكرك أيها الإله. أشكرك على كرة القدم.. على مارادونا.. على تلك الدموع.. على تلك.. الأرجنتين 2 إنجلترا 0”.

—(فيكتور هوغو) موراليس معلق المباراة

اختصرت هذه الكلمات أسطورة هدف ترك أثره في صفحات التاريخ، لكن لقصة صانع الهدف أثر آخر بداخل شتى محبي المستديرة حول العالم.

وُلِد (دييغو مارادونا) بأحد الأحياء الفقيرة ب “بونيس آيرس” بالأرجنتين. التهب عشقه للكرة منذ سن مبكرة، فكان أول احتكاك له بهذا العالم عندما منحه قريبه كرة قدم في عيد ميلاده الثالث لينام بها داخل قميصه شهرًا كاملًا خوفًا من سرقتها. قام بالانضمام في التاسعة من عمره لفريق قريته “البصل الصغير”؛ حيث قدَّم تمريرات دقيقة ومراوغات رائعة آثار بها انتباه الجميع حتى قام أحد الصحفيين بكتابة مقالًا عنه بعنوان: “كان هناك طفل مع موقف وموهبة نجم”، رغم أنه أخطأ كتابة اسمه.

أثمرت موهبة الفتى التي لمعت في الميدان “رغم قصر قامته الذي شكك به الكثيرين” معلنة عن ولادة نجم جديد؛ حيث كانت اولى محطاته في تاريخه المهني انتقاله من “أرجنتينوس جونيورز” لـ”بوكا جونيور” الذي أبدى فيها مهارية عليا ليقود فريقه إلى سلسلة انتصارات متتالية؛ مما جعله محل اعين مكتشفين اوروبين كثر.

وعلى غرار موهبته انتقل بعدها (مارادونا) إلى النادي الإسباني “برشلونة”، ولكنها لم تكن أفضل تجاربه؛ فقد عانى من عنصرية الجمهور الكتلوني بالإضافة الي كم الإصابات التي تعرض لها من المدافعين الإسبان خصوصًا نادي “اتلتيكو بلباو”، ورغم ذلك فاز مع الكتلوني بكأس إسبانيا.

تميزت مبارياته بالطابع الحاد في الآونة الأخيرة والتي غلب عليها المشاحنات بغرض تصفيه الحسابات أمام هؤلاء المدافعين؛ ليعلن بذلك انتقاله إلى محطة أخرى في تاريخه الكروي.

  1. بلغ مارادونا الذروة عندما انتقل لمنتخب الأرجنتين الوطني، وهنا سطر أحرفه،في كأس العالم 1986 بالمكسيك قام في الربع النهائي أمام إنجلترا بتسجيل هدفه الأول عن طريق رأسه بمساعدة يده اليسرى، لم يقم مارادونا بالاحتفال مباشرةً ظنًا منه أن حكم المبارة سيقوم بإلغاء الهدف لعدم قانونيته. انتظر الجميع قرار الحكم على أحر من جمر، مرت هذه الثواني وكأنها أيام طوال على الأرجنتين، بأكملها ليُفاجئ الحكم التونسي الجميع باحتسابه جول !جول !جووول! فعلها مارادونا وبث الفرحة في القلوب، وأعلن عن هطول الأمطار أخيرًا بعد جفاف طويل.
    “لقد سجل الهدف بشيء قليل من رأس مارادونا وشيء قليل من يد الله”
    (دييغو ماردونا)

    أراد القدر أن يكافئ (دييغو) في هذا اليوم فقام بإعطائه الفرصة ليقضي على جميع التهكنات التي كانت تصدر ضده ليعلن المعجزة الكروية عدم اكتفائه بالهدف الأول،فوق فجعل مدافعي إنجلترا يتقهقرون واحدًا تلو الآخر بعدما عجزوا عن ايقاف عاصفته الجامحة التي مهدت طريقها من نصف الملعب وصولًا لمرمى الخصم فأضاف هدفًا أسطوريًا، آخر أسفر عنه انتهاء المباراة بفوز الأرجنتين 2-1

بعدما عانى (دييغو) العديد من الصعوبات مع الإسبان، انتقل الي النادي الإيطالي “نابولي” الذي عجز جمهوره عن تصديق الخبر حتى رأوا (مارادونا) بأعينهم يجوب البلاد، واثناء توقيعه للعقد طلب منه رئيس النادي تحقيق البطولة الإيطالية والتتويج بالبطولة الأوروبية، وبالفعل أنهى (مارادونا) فترة جفاف بطولات دامت على نابولي 10 اعوام ليحصد معهم:
-كأس الاتحاد الأوروبي عام 1989.
-البطولة الإيطالية عامي 1987 و1990.
-كأس إيطاليا 1987.
-كأس السوبر الإيطالية 1989.
وعلى مستوى البطولات الشخصية:
أحسن لاعب في العالم 1986.
-أحسن لاعب أرجنتيني 1986.
-أحسن لاعب في أمريكا. الجنوبية سنوات 1986، و1989، و1990.
-أحسن لاعب في البطولة الإيطالية 1985.
-الكرة الذهبية الأوروبية عامي 1986، و1987.
-أحسن رياضي للعام 1986.

لكن للأسف الشديد لم يدم مجد (دييغو) مع نابولي طويلًا رغم مكانتها العليا بداخل قلبه التي طغت على كأس العالم مع الأرجنتين؛ فقد بدأت العلاقة تتدهور بين الجمهور الإيطالي و(مارادونا) منذ كأس عالم 1990 حينما واجهت الأرجنتين إيطاليا في نصف النهائي، وأصدر المشجعون الإيطاليون جملتهم المشهورة:
“مارادونا نابولي تحبك لكن إيطاليا هي وطننا” وزاد العداء بينهم عندما نفَّذ ضربة الجزاء الذي حرمت إيطاليا من التأهل؛ لينهال الجمهور الإيطالي بالشتائم حتى أنهم انحازوا إلى جانب ألمانيا في النهائيات، وقاموا بالتصفير على النشيد الوطني للأرجنتين؛ مما جعل (مارادونا) يفقد أعصابه لينهال عليهم بالشتائم دون ترديد نشيد بلاده؛ مما جعلها القشة التي قسمت ظهر البعير، بالإضافة إلى موسم سيء، وعلاقته بالمافيا، وإدمانه للمخدرات أنهى (مارادونا) رحلته مع نابولي وانتقل إلى “إشبيلية” ليبدأ معها تدهوره على المستوى المهني والشخصي عندما أقبل على تعاطي الهروين فحصد عدة تعليقات عن اللعب، ثم انخفض مستواه البدني بعد عدة إصابات حتى أعلن اعتزاله عن اللعب مع تدهور حالته الصحية وازدياد وزنه بشكل ملحوظ!

ولكونه شخصية مثابرة مع قليل من الدعم الذي تلقاه من والدته ممزوج بحبه لابنته، قام بالإقلاع عن المخدرات، بل ورغب في استعادة لياقته البدنية عن طريق القيام بعملية جراحية تمتلك قدرًا لا يُستهان به من الخطورة حتى قام بالفعل باستعادة جزء من حياته السابقة.

اختتم (مارادونا) تاريخه الحافل بتتويجه في الألفية الجديدة بجائزة الفيفا “لاعب القرن” عبر تصويت الجمهور، وحاز هدفه في كأس العالم بالمكسيك خلال استطلاع رأي للجمهور بأنه هدف القرن، ثم عاد إلى جذوره بعدها ليقوم بتدريب منتخب الأرجنتين.

عجز (مارادونا) عن الحفاظ على نمط الحياة الصحي؛ فاستعاد جزءًا من وزنه وإدمانه على الكحوليات، بالإضافة إلى إطلاقه بعض التصريحات الغريبة مثل حديثه مع قناة “tyc sports” الأرجنتينية أنه تم اختطافه من قِبَل الفضائيين لمدة ثلاث أيام، ولن يستطع الإدلاء بمعلومات أكثر من ذلك!

لا شك أن (دييغو مارادونا) من أكثر الشخصيات إثارة ً للجدل عبر التاريخ، ولكنه يبقى بكل تأكيد أحد أعمدة كرة القدم.

تدقيق لغوي: مهاب محمد.