الذكورة السامة

لا تبكِ، فالرجال لا يبكون!



منذ أن يبدأ الطفل في استيعاب عالمه، يخبره المجتمع المتمثل في أسرته بكل حدوده، فيخبرونه بأن الرجال لا يبكون، بأن الرجال أقوياء دائمًا، بأن أخته هي شرفه، بأن والدته يجب أن تطيعه وإن اشتعل رأسها شيبًا، يخبرونه بأن مشاعره لا وجود لها.
وإن وجدت، فعليه وأدها في الرمال، بأنه قد حكم عليه بتقضية عمره حبيس زنزانة الذكورة السامة التي صنعها المجتمع.
الذكورة السامة هي مصطلح يشير للسلوكيات التي يسلكها بعض الرجال في المواقف الصعبة حين يلجؤون إلى كبح جماح مشاعرهم، والتصرف بجَلَدٍ وعدوانية، وينظر هؤلاء الرجال إلى التأثُّر العاطفي على أنه صفة سلبية، وعلى الرغم من أن هناك بعض المواقف تتطلب الإنصات لصوت العقل، إلا أنه إلغاء المشاعر تمامًا أمر خطر على الأفراد والمجتمع، ويسبب انتشار العنف، وهو أحد نتائج الذكورة السامة، ومن أحد أشكال هذه الآفة: فرض السلطة سواء الفكرية، أو الجسدية، أو الجنسية، أو الأبوية، وفرض الوصاية على أفراد المجتمع، خاصة الأقليات والإناث، والتقليل من قيمة الإناث.
إن الذكورة السامة ابنة مباشرة للذكورية، وهي لفظ عام يُطلَق على السلوكيات والفِكَر والقوانين التي تفرِض سيطرة الذكور على الإناث.

إن كبح المشاعر وقمعها يؤدي لعواقب وخيمة، حيث أشارت جمعية علم النفس الأمريكية إلى أن هؤلاء الرجال يتعرضون بشكل كبير للاكتئاب، والتوتر، والقلق ، وتعاطي المخدرات، وضَعف التواصل الاجتماعي، لِمَا يحتاجه التواصل الاجتماعي من ذكاء عاطفي، والذكاء العاطفي يعتمد بشكل كلي على التعاطف وفهم مشاعر الآخرين، ومع غياب ذلك، يصبح هؤلاء الأشخاص غير مؤهلين لأي علاقة تتطلب الحد الأدنى من المشاعر. ناهيك بما تحويه الذكورة السامة في طياتها من العنف وفرض الهيمنة على الآخرين واستعراض القوة؛ مما يؤدي بالطبع لمجتمع مريض، قاصر عن تثقيف أبنائه بماهية المشاعر؛ مما يؤدي إلى عدم تذوقهم لطعم الحب، ولو عرفوا ما يفتقدونه في حياتهم، لكفروا بالذكورة السامة، وآمنوا بالحب.

ومن المحزن أيضًا، سيطرة العديد من الآفات الضارة على مجتمعنا، مثل: الأبوية والتمييز، والعنصرية.
كل هذه الآفات تشبه الأمراض المميتة التي تصيب المرء وتشاركه غذاءه والهواء الذي يتنفسه، وتجعله أضعف كل يوم؛ حتى يتوقف قلبه ويموت بسبب عدم تحمل الألم.

مجتمعنا مريض، ونحن -الشباب- علينا وضع نهاية لكل هذه الأمراض التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا؛ حتى لا يضطر المجتمع لرثاء أبنائه وبناته نتاج هذه الأمراض.

المجتمعات تتغير نتيجة للثورات، وما نحتاجه الآن هو ثورة على ذواتنا؛ لنصلح ما دمرته العادات والتقاليد البالية، ولنواجه أنفسنا بسوءاتنا، ولننزع أقنعة الزيف والكذب والكبر.

تدقيق لغوي: محمد حمدي.

المصدر:https://www.apa.org/monitor/2017/02/men-left-behind