خط سير

الأمر أشبه ببطريق يحاول إثبات أنه طائر لكنه لا يطير



في بلادي يمر الطالب في مرحلة التعليم قبل الجامعي بقدر هائل من البؤس..
كم هي بائسة تلك التي يدعونها “أجمل أيام العمر”!
زحام الطرق، ضغط المواعيد، توتر الدروس، وقضاء فترات النهار المشرقة في مراكز المقامرة التي يدعونها “سناتر”، ومحتوى تعليمي عامر ببليلة طه حسين، وحفلٍ بائس لرثاء مي زيادة.

لكن في ظني، ليس الأمر بهذا التعقيد والقبح؛ فبالرغم من السلبيات المحيطة من كل جانب، إلا أن تلك الفترة نفسها التي يعاني فيها الشاب يرى فيها -على صعيد آخر- حقيقة الحياة ويكتسب الخبرات التي لا سبيل إليها إلا بالتعب والجِدّ، والعلاقات بأنواعها الصادقة منها والمخادعة، واعتياد الضغط وإتقان الإنتاج تحت أي ظرف، واتخاذ قرارات مصيرية معتمدًا فيها على ذاته وما اكتسبه من خبرة محدودة.
تتكون بهذه الخبرات شخصية وكيان الفرد وعليه يتكوَّن جيل قادر على التحدي والقيادة، ويجلب الفخر لأمته.

لا نعني بذلك الإشادة بمنظومة التعليم الأساسي، لكننا نتحدث عن منهج حياة وطرق تعايشنا بها ومعها أنا وأبناء جيلي ومَن سبق وَمن سيلحق بنا.

أما الحياة الجامعية خاصة -للمغتربين- محور الاهتمام والحديث من الفرد والمجتمع، لِمَا لها في الأذهان من تصور عن أنها حياة عامرة بالانفتاح، عالم مختلف تمامًا. أفراد غير أسرتك يقيمون في الغرف المجاورة، وزملاء دراسة غير أصدقاء الطفولة، وقامات علمية بينهم وبين مَن كنا نتلقى على أيديهم في المراحل العلمية السابقة اختلاف بعيد.

لأول مرة ينفصل الشاب الجامعي عن محافظته الأم، أو عن قريته، أو عن حارته ومسقط رأسه ليقيم خارج موطنه؛ لكن لا يعد ذلك كارثة تُعَكِّر صفو شاب مَرَّ بصعوبات التعلم في مرحلته قبل الجامعية.
أين تكمن الأزمة إذًا بالنسبة لشاب في أولى سنيّ جامعته؟

في التحول من معاملة لمعاملة، ومن مكتب لمكتب، ومن موظف يرسله غاضبًا لزميله ليختم له ورقة تقف عليها مسيرته العلمية كلها.
الأمر أشبه ببطريق يسعى جاهدًا كي يطير، ويصل الأمر ببعضهم إلى اليأس من إيجاد مكان له في المدينة الجامعية؛ فيحاول عبثًا أن يتفق مع بعض زملائه للبحث عن سكن خاص، وعندما يفشل يُخاطِر بالذهاب يوميًا من محافظته للجامعة التي ينتسب إليها.

من الطريف أن الشباب في مراحل تعليمهم السابقة كانوا قد اعتادوا الانضباط، واحترام المواعيد، والنزول باكرًا كي يلحقوا بطابور الصباح وتحية العلم واجتناب التوبيخ أمام الزملاء، أما الآن فما وجه السبب لإصرار المُحاضِر على حضور الطلاب في الثامنة صباحًا، الموعد الذي أقرَّه المُحاضِر ويعتز به كأنه موعد ولادته؛ وهو الذي لا يتكلف عناءً في الوصول لمبنى الجامعة؛ فهو يستعد قبل الموعد المُحَدَّد بنصف ساعة، ويصل مع سائقه بسيارته المُكَيَّفة، ويحمل عنه مساعده حقيبة يده، ويستقل المصعد -المُحَرَّم على الطلاب البائسين- ولا يبالي بالمسكين الذي لم يستطع أن يثبت لأستاذه أنه لا يطير، فيُضطر متأففًا إلى الاستيقاظ في موعد دجاج المزرعة السعيدة؛ كي يستطيع اللحاق بأسرع وسيلة نقل لمحافظة مختلفة ليصل جامعته في الموعد المطلوب، وهو الذي لم يستطع أن ينعم البارحة بساعة نوم هنيء، ولن يستطيع أن يكملها غدًا، بالإضافة لطول وقت المحاضرات في بعض الجامعات التي قد تصل أحيانًا إلى أربع ساعات متواصلة. في الأمر مشقة على المُلقي والمتلقّي، لكن الملقي قد ينهي ساعات محاضرته ويذهب للراحة قبل استكمال أبحاثه، أو يذهب في نزهة عائلية، أو لحضور مباراة كرة، مُكَرِّرًا عدم مبالاته بالبائس الذي ما إن ينهي المحاضرة حتى يلحق بالتالية، والتي تستمر أيضًا لساعات دون راحة. الأمر أيضًا ليس بهذه الدرجة من القُبح؛ فأنا أشهَد لهذا المُحاضِر ودوره في المجتمع الذي لو تولاه ما كان الحال، تلك الوظيفة التي أدعوها بالمقدسة، وكذلك أبحاثهم وتقديمها لأجيال بوازع من محبة. أرى في البعض منهم من الوقار ما يَصدُق به القول أنه من ورثة الأنبياء. بالاتجاه لمعشر البائسين، فهم كقوم الأنبياء، أمامهم الكثير ليُجَنِّبوا القادمين هذا البؤس.
ولكن هل يمسك على علمه من تَلَقَّاه مُنَعَّمًا؟

 

تدقيق لغوي: مهاب محمد.