العنف الأسري، جريمة الأعراف

اكسرلها ضلع يطلعلها أربعة وعشرين، أعراف خلقت وحوش وضحايا.



 طبقا لدراسات أجرتها منظمة الأمم المتحدة للمرأة مؤخرا، أن أكثر من 35% من النساء حول العالم يتعرضن للعنف الأسري بمختلف أشكاله وأنواعه، مما يجعل -تقريبا- كل امرأة من ثلاث نساء تعرضت للعنف الأسري بأحد أشكاله في مرحلة ما من مراحل حياتها.

ربما التعريف الأشهر للعنف الأسري هو “مجموعة من الأعمال القسرية الجنسيّة والنفسيّة والبدنيّة المستخدمة ضد النساء الراشدات والمراهقات من قبل الشركاء الحميميين أو السابقين من الذكور”. ومن المحزن كون هذا العنف غير مقتصر على قطاع جغرافي محدد -وإن اختلفت نسبه- أو على طبقات ثقافية أو اجتماعية محددة.

الأمر لا يحتاج للبحث الشديد والاستقصاء للوصول إلى أشكال العنف الأسري المختلفة، يكفي الذهاب لمقهى -بلدي- والجلوس على مقربة من تجمع رجالي ليبدأ كل منهم بعرض إنجازاته الذكورية في العنف الأسري، والذي -للأسف الشديد- يجد غطاء ساتر وداعم له طبقا لأعراف مجتمعية وعادات بدائية، بل والأسوء وضع البعض غطاء ديني زائف وواهٍ له.

ربما تجد أحدهم بعد أن يمرر أصابعه على شاربه الكثيف معتزا بذكورته ليتحدث عن “العلقة” التي منحها لزوجته، التعنيف الشديد، وتلك الآثار الدامية التي  تركها عليها بعد انتهاءه من جريمته. وذلك هو أحد أشهر صور العنف الأسري، العنف الجسدي والذي يتضمن الاعتداء الجسدي علي الزوجة أو الشريك بشكل عام، بالأيدي أو باستخدام أدوات مسببا جروح وإصابات.

وربما يضيف آخر قصة عنيفة آخري مستعرضا -من وجهة نظره- رجولته وحميته، ليخبرهم بقصة ضربه لابنته، العنف ضد الأبناء هو الآخر نوع من أنواع العنف الأسري، لتجد البعض يؤيده و يستشهد بواحد من أسوء أمثالنا الشعبية وأكثرها عنف وبشاعة “أكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين”. العنف ضد الأبناء جريمة بشعة وإن بررها المجتمع مؤمنا بكونها تربية أو تقويم لكنها في الحقيقة جريمة والأطفال الذين تعرضوا للعنف في طفولتهم واجهوا مشاكل عدة في النمو بشكل طبيعي والاستمرار في الحياة بشكل سليم، وفي أغلب الحالات يمارس الأطفال ضحايا العنف الأسري نفس الأفعال والاعتداءات على أبنائهم في المستقبل .

في منتصف الحديث سيتباهى البعض منهم نافثٍ دخانه بألوان مختلفة من العنف الأسري الذي يمارسه، مستخدما كالعادة الغطاء الاجتماعي الذي يوفره له العُرف السائد والأمثال الشعبية. فتجد أحدهم يردد “أنا ممشيها علي عجين متلغبطهوش” متباهيا بأحد ألوان العنف النفسي والعاطفي، أو يصيح الآخر في تباهي ديك “أنا مبدهاش قرش، والبت وقت أما تغلط تقعد من المدرسة، مدفعش فلوس في علام”  متباهيا بلون من ألوان العنف الاقتصادي، والذي فيه يتحكم الذكر رب الأسرة -الأب كان أو الأخ- في النفقات المادية للضحية، إن كانت لأغراض صحية أو غذائية، والطامة الكبرى أن تكون لغرض التعليم.

ولا تزيد أحد أنواع العنف بشاعة عن الأخرى، فالعنف الأسري بكافة أشكاله جريمة بشعة، ولكن ربما أسوءهم هو العنف الجنسي، أو الاغتصاب الزوجي-السريري، لأنه  صاحب الغطاء الأكبر. في بلدان عدة لا يُعاقب المجرم نظرا للعلاقة التي تربطه بالضحية. ربما يراها أولئك ممارسي العنف الأسري الجريمة الأمثل، لا عقاب ولا سؤال بل يمنح البعض -ومنهم للأسف نساء- الحق الكامل للمجرم، بل ويلقي اللوم على الضحية. القانون والمجتمع كالعادة يخذل الضحايا.

وطبقا للدراسات فإن العنف الأسري يرجع لأسباب مختلفة، أحدهم أسباب الاجتماعية كون أحد الزوجين -أو الآباء في حالة أن الضحايا الأبناء- كان يتعرض للعنف الأسري خلال طفولته من عنف جسدي أو تمييز بين إخوته ..الخ .

وهناك أيضا أسباب اقتصادية ،فنجد الأسر محدودة الدخل أو عديدة الأفراد، عندما يجد الأب -الأبوين- صعوبة في سد الاحتياجات الأساسية للأسرة، يتجه إلى السلوك العنيف لحل مشكلاتهم. وهناك أسباب ثقافية ترجع إلي طرق التفكير المتوارثة ،واتجاه الفكر الموجه اجتماعيا أو إعلاميا تجاه العنف الأسري، أو لأسباب آخري كالحقد والكراهية، أو ربما للفهم الخاطئ للدين. وطبقا لدراسات أيضا يري البعض أن العنف الأسري قد يرجع لأسباب سياسية، فأولئك الذين يتعرضون للاضطهاد السياسي سواء من حكوماتهم أو من الاحتلال، يكونون أكثر ميلا للعنف كوسيلة لحل مشاكلهم، خصوصا من تعرضوا لفترات سجن وجرائم احتلالية.

وفي الآخير -كي نكون منصفين- فالعنف الأسري ليس حكرًا على الإناث، فبعض الذكور ضحايا يتعرضون للعنف الأسري من قبل شريكاتهم، وإن كانت نسبة الضحايا الذكور شديدة الضآلة مقارنة بالضحايا من الإناث، يظل موجود كجريمة لا تُغتفر ما يتعرض له أزواج أو أبناء من عنف أسري.