تعليم أم تدجين

"عشنا كذبتنا الكبرى؛ الوهم بأن المعرفة بإمكانها أن توجد بمعزل عن السلطة." - ميشيل فوكو



عادة ما يُنظر إلى التعليم الإلزامي كعلامة تقدم ورقي حضاري فهو يوفر لجميع أفراد المجتمع فرص متكافئة للحصول على المعرفة، وصقل ملكاتهم، وتحسين وضعهم الاجتماعي. يعارض بعض الفلاسفة تلك النظرة الإيجابية بل ينظرون إلى التعليم الإلزامي كأداة تم تطويرها خلال عقود طويلة للسيطرة على المجتمع. لم تهدف المؤسسات التعليمية -في وجهة نظرهم- إلى التنوير والارتقاء بفكر الطلاب أو تنمية إبداعهم قط بل كان هدفها الدائم هو إخضاع أكبر قدر ممكن من الأفراد لمستوى فكري وسلوكي آمن للسلطة، وإنتاج مواطنة موحدة جامدة لقمع إبداعهم وفرديتهم. تظهر هذه الرغبة بوضوح في وصف إليود كوبرلي للمدارس بالمصانع حيث يُشكل الطالب فيها ويُعدل كسلعة تستمد مواصفاتها من متطلبات المجتمع ثم تخرج لتلبي هذه المتطلبات. وقد انتقد الفيلسوف التربوي إيفان إليش المؤسسات التعليمية في كتابه “مجتمع بلا مدارس” ووصفها بأداة السلطة الإعلامية التي تجعلك تؤمن أنك تحتاج المجتمع كما هو تماما وتسلب منك قدرتك على النقد بل يتخطى الأمر ذلك لتسلب منك جزء من حريتك. لنفهم وجهة نظر إليش وغيره من مفكري وفلاسفة القرن العشرين علينا أن نتتبع تاريخ التعليم الإلزامي منذ بدايته.

في البداية، قبل اختراع الزراعة، ولمئات الآف السنين كان الأطفال يتعلمون ذاتيا من خلال اللعب والاستكشاف. كانوا يتعلمون كل ما يلزمهم ليصبحوا أفراد فعالة في جماعتهم من خبراتهم الذاتية دون الحاجة للمؤسسات التعليمية. في فترة ما قبل الزراعة -فترة الصيد وجمع الطعام- تطلب عمل البشر المعرفة بالنباتات التي يتغذون عليها والمهارة في صناعة أدوات الصيد، كان عملهم إبداعي يعتمد على خبرة الفرد واحتكاكه بالطبيعة حوله. لم يكن العمل وقتها يتطلب ساعات طويلة من الجهد الشاق بل لم يفرق البشر الأوائل كثيرا بين أوقات العمل وأوقات اللعب والاستكشاف كما يدعي علماء الانثربولوجي. بالنسبة للبشر وقتها كان اللعب والاحتكاك بالطبيعة طريقة التعلم الطبيعية والوحيدة.

وفرت الزراعة طعام أكثر للبشر مما سمح بزيادة عددهم تدريجيا مع الوقت. كما علمتهم الزراعة الاستقرار مما أدى إلى لتراكم ثروات الأفراد. غيرت تلك العادات الجديدة نظام العمل تغييرا جذريا فتحول عمل الإنسان من عمل مهاري إلى عمل مُكرر يتطلب المجهود الشاق وساعات العمل الطويلة بدلا من الإبداع والمهارة. أجبر نظام العمل الجديد الأبناء الصغار على المشاركة في مساعدة العائلة سواء في عملية الزراعة أو في الاهتمام بالأخوة الأصغر سنا في العائلة. تحول الآن أغلب وقت الأطفال من اللعب والتعلم عن طريق الاستكشاف إلى العمل الصارم والممل.

امتلاك بعض الأفراد الأراضي وتراكم الثروات المرتبط بالزراعة أدى إلى ظهور طبقة لا تملك أراضي وبالتالي مضطرة إلى الاعتماد على من يملكون الأرض للنجاة. ومن تلك النقطة تحديدا في تاريخ البشر ظهرت العبودية واستغلال الأفراد الأفقر والأقل مهارة في المجتمع لزيادة ثروات أصحاب الأرض. لذلك كانت الطاعة وقمع الرغبة الشخصية أهم الدروس الذي يتعلمها أي طفل لضمان نجاته في المجتمع.

مع تطور المجتمعات وزيادة تعقيدها زادت الحاجة لطاعة الحكام في السلم وفي الحرب لكي يضمنوا قبل كل شيء سلطتهم المطلقة على المجتمع. ظهرت أول صور التعليم الإلزامي في مدينة إسبرطة اليونانية حيث كان يتم أخذ الأبناء بعيدا عن والديهم وإلحاقهم بالمدرسة العسكرية لضمان الطاعة والولاء الكامل لإسبرطة وللحاكم.

ظهر في القرن السادس عشر نموذج حديث للتعليم الإلزامي على يد مارتن لوثر كينج. رفض مارتن لوثر سلطة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ودعى إلى الاعتماد على الإنجيل فقط كمصدر حكم وسلطة مطلقة. أراد لوثر تأسيس كنيسة جديدة بتعاليم جديدة في أوروبا كلها. وبناء على هذا أرسل عدة خطابات لحكام ألمانيا يحثهم على إنشاء نظام تعليمي إجباري وعلل ذلك بأنه كما تجبر السلطة الآباء على إرسال الأطفال للخدمة العسكرية لتعلم حمل السلاح والقتال ينبغي أيضا إجبارهم على إلحاق أولادهم بالمدارس لتلقينهم التعاليم الصحيحة. فهم مارتن لوثر أنه من الممكن استغلال السلطة لنشر تعاليم الكنيسة اللوثرية بين العقول الشابة دون مقاومة بهدف الانتصار فكريا على الكنيسة الكاثوليكية.

تطور مع الوقت نظام التعليم الإلزامي في أوروبا وفي الولايات المتحدة ليصل إلى ما يسمى الآن [factory model of schooling]. يعزز هذا النظام احترم السلطة بدلا من السعي وراء الحقيقة، وتبعية الرأي بدلا من التجديد والتقدم، كما يجعل العملية التعليمية نفسها جامدة، فطريقة التدريس والاختبار ومعدلات التحصيل يجب أن تكون موحدة. في هذا النظام يتم نقل المعلومات من المعلم إلى عقل الطلاب كما تُنقل الأشياء إلى الصندوق مما يقتل داخلهم القدرة على النقد أو حتى الشجاعة للخروج عن المسار المرسوم. تملئ المؤسسات التعليمية عقلك بما يخدم السلطة فقط، وبذلك لا تشكل السلطة وعي الأفراد فحسب بل وعي المجتمع ككل.

أنت لم تلتحق بالمدرسة لتصبح فنان أو شاعر أو ممثل أو حتى فيلسوف. الهدف من دخولك المدرسة كان إعدادك لخدمة المجتمع كما ترى السلطة كيف ينبغي له أن يكون. لم تلتحق بالمدرسة سوى لتكن حجر آخر في حائط ممتد بلا نهاية. لم تكن كل الأيام التي قضيتها في المدرسة بما تحويه من إحباط متكرر، وشك دائم في قدراتك، وتقديرك لنفسك حسب معدلاتك الدراسية، وجهدك الشاق لمواكبة زملاءك بل والتفوق عليهم، لم يكن كل ذلك الألم لشيء سوى لجعلك نسخة مكررة أوهمهتها السلطة بأنها اختارت كل شئ بمحض إرادتها. لكنك وبرغم ذلك اكتسبت الجزء الأكبر من معرفتك وخبراتك الحالية خارج المدرسة غالبا ولهذا يرى إيفان إليش أنه من الممكن الإستغناء عن المؤسسات التعليمية الموجهة بواسطة السلطة نهائيا واستبدالها بالتعليم الذاتي. بالطبع رؤية كهذه متطرفة وقد تكون سابقة لأوانها لكن من المفيد أن تعلم أن المعرفة في عصرنا هذا متاحة بلا حدود أو قيود تقريبا. لذا لا تضع أنت قيود على نفسك وتلتزم فقط بما يخبروك به، لا تجعل آفاقك محدودة فهذا بالضبط ما يريدوه منك. يكفي فقط أن تنهي رحلتك الدراسية دون سقطات تعرقل حياتك، فنحن لن نستطيع مواجهة التيار بالتحرك ضده ببساطة. يكفي فقط أن تدرك أن مسلماتك قد تكون نتاج ما حولك وليس نتاج تفكيرك أو نقدك أنت، ويكفي أن تراجع تلك المسلمات من حين لآخر لتتأكد أنك ما زلت تحتفظ بجزء من فرديتك.