رومانسية المرض النفسي

"في مجتمعات لم تعد حاجات الإنسان فيها مقتصرة على النجاة بل على تحقيق الذات؛ يحتاج الإنسان للشعور بالتميز و الدعم. و ما أقصر الطرق لهذا من ارتداء [trend] المرض النفسي؟"



في عام ١٨١٨ غير رجل واحد بكتاب واحد يتكون من أربعة قصائد معايير المجتمع و اتجاهاته إلى الأبد، رجل واحد و أربع قصائد مازالوا يؤثرون على ثقافتنا و أفكارنا إلى اليوم دون أن ندرك الأمر حتى.
نشر اللورد بايرون عام ١٨١٨ في انجلترا كتابه [أسفار شايلد هارولد] الذي سجل فيه أسفار و أفكار و تأملات إنسان مل الحياة و سأم منها و هام على وجهه يبحث عن العزاء في البلاد الأجنبية. كان بطل بايرون شخص عادي، مثلنا تماما، يملؤه السأم من الحياة و يفسد عليه الغضب و الحنق على المجتمع أيامه، لم يكن مثاليًا يتطلع إلى الخير و الحب و القيم ببلاهة بل كان شديد الواقعية عكس السائد في الأدب الرومانتيكي في هذه الحقبة في أوروبا، لم يكن شجاع جدًا، لم يكن خير جدًا، و لم يكن صبورًا جدًا، مثلنا تماما.

في عام ١٨٤٧ ظهر بطل آخر أكثر سوداوية و تعقيدا من بطل اللورد بايرون – الذي عُرِف فيما بعد بالبطل البايروني- ، ظهر هيثكليف في رواية [مرتفعات ويذرنغ] و ظهر معه وجه آخر للحب. وجه عنيف و مخيف حد الموت، وجه أشد انتقامية و تملكًا من أي وقت سبق، حب يجتاح كل ما يقف أمامه حتى المحبين نفسهم. هيثكليف ذلك المحب الحقير، الأناني و العنيد الذي وقع في حب كاثرين ارينشو ابنة الرجل الذي تبناه ورعاه منذ الصغر و وقعت تلك الشيطانة الصغيرة في حبه أيضًا. من قرأ مرتفعات ويذرنغ للكاتبة الانجليزية ايملي برونتي واجه لحظة واحدة على الأقل شك فيها إن كان يجدر به التعاطف مع هيثكليف أو مع كاثرين . ورغم سوداوية هيثكليف و اضطراب شخصيته وقعت النساء في حبه و في حب هذا النوع من الحب العنيف.

و مع كل جيل انتقل الأمر لمراحل أشد تطرفًا و أكثر درامية حتى وصل إلى جيلنا الحالي و أصبحت أغلب الأعمال الفنية سواء كانت أدبية أم تليفزيونية ممتلئة بشخصيات مسممة و مضطربة و أحيانًا مريضة نفسيًا. تم ربط [الاكتئاب] و [الشيزوفرينيا] بالإبداع و ربط [السيكوباتية] بالذكاء و المهارات إلى أن أصبحوا في عيون البعض – خاصة المراهقين و الشباب – وجهان لعملة واحدة.

في المجتمعات الحديثة أصبح الاشخاص الأكثر معاناة و ذوي القصص المأساوية أكثر أهمية و إثارة من هؤلاء ذوي الحياة العادية، أصبح الألم و المرض النفسي طريق الإبداع و النجاح الوحيد أو على الأقل الأسرع. أصبح الألم محاط بهالة من التقديس و الرومانسية أعمتنا عن حقيقة التعايش و محاربة المرض النفسي المظلمة و القاسية جدا. أعمت هذه الهالة عيوننا عن طلب المساعدة عندما نكون في أشد الحاجة إليها.
في مجتمعات لم تعد حاجات الإنسان فيها مقتصرة على النجاة بل على تحقيق الذات؛ يحتاج الإنسان للشعور بالتميز و الدعم. و ما أقصر الطرق لهذا من ارتداء [trend] المرض النفسي؟ لهذا نرى العديد من المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي ينشرون صور و عبارات مليئة بكره الذات و احتقارها أحيانًا و في أحيانًا أخرى مليئة بعبارات تمجد الحزن و الاكتئاب بل يصل الأمر إلى تمجيد الانتحار! الآن نرى مراهقين ينجرفون مع مشاعرهم و يتجهون إلى سلوكيات إيذاء النفس و تدميرها دون تفكير بدل طلب المساعدة من المختصين.

“كلما ازدادت معاناتك كلما كان لحياتك قيمة”
هذه هي الرسالة التي تصل لأذهان الشباب عندما يقرأون عن فان جوخ -مثلا- الذي قضى حياته بين المصحات النفسية و الحانات الرخيصة شاردًا و وحيدًا، و لم يبع في تلك الحياة التي انتهت بالانتحار سوى لوحة واحدة!
لم يكن فان جوخ فنان سابق لزمانه بقدر ما كان مريض نفسي يحتاج مساعدة. بالطبع كان فنان موهوب جدا و لكن هذه الموهبة ليست على اتصال مباشر بمرضه النفسي. لم يبع فان جوخ سوى لوحة واحدة في حياته لأنه عجز عن التواصل مع الناس ليس لقسوة المجتمع عليه. الأمر لا يقتصر على فان جوخ فقط، فالقائمة تمتد لتشمل سيلفيا بلاث، ارنست هيمنجواي، فريدا كاهلوا، ادفارد مونك و غيرهم من الشعراء و الكتاب و الفنانين الذين يحبهم الناس لمأساتهم على الأغلب و ليس إنتاجهم الفني أو بصيغة أخرى: لم يكن لهؤلاء أن يحظوا بتلك الشهرة دون معاناتهم. و الشهرة تختلف بالطبع عن الموهبة، فالترابط لا يعني السببية بالضرورة، فحتى الأبحاث التي حاولت أن تجد علاقة بين المرض النفسي و الإبداع ليست دقيقة أو شاملة و لا تقر أغلب الأوقات بوجود علاقة بينهم على الإطلاق.

ماذا يمكننا أن نفعل لمواجهة هذه الثقافة المغلوطة؟
يجب أن نهجر فكرة أن الحزن العميق يخلق شخصية عميقة، تخطي هذا الحزن هو ما يفعل.
يجب أن نحارب النار بالنار، أن نحكي قصص جديدة ابطالها أذكياء، مبدعين، و موهوبين و في نفس الوقت أصحاء نفسيًا. يجب أن ننشر فكرة أن الأشخاص الناجحون و الأصحاء مميزون تمامًا مثل الأشخاص الذين يمتلكون ميول لإيذاء النفس. يجب علينا أن نتعلم أخذ الطريق الصعب لتحقيق ذواتنا و آماننا النفسي و دون الاعتماد على الآخرين لتحقيق ذلك.
يجب أن ننشر نماذج تحمل جزء من الإيجابية في مواجهة العالم. ليس المقصود بالإيجابية هنا التفاؤل الساذج الذي يرغم الإنسان على تجاهل المعطيات حوله، بل الإيجابية التي تجعلنا نطلب المساعدة إن تطلب الأمر لنحيا حياة مليئة بالألوان حتى لو بهتت ألواننا في بعض الأوقات.

-اللوحة للفنان ادفارد مونك