صراع أزلي

في الماضي كان التشخيص بمرض السرطان بمثابة حكم نهائي بالموت، لا أمل فيه و لا مفر منه ، كانت المشكلة ليس فقط أن علاجه كان مستحيلا بل لأنه كان يوما ما "تابو".



في ٢٠١٦ قام معهد الدراسات الصحية و التقييم (IHME) بدراسة قُدر فيها عدد ضحايا سرطان الثدي حوالى 8.15 مليون حالة حول العالم بينما قُدر عدد الوفيات منه حوالى 545.590 حالة (1). يعد سرطان الثدي أكثر الأنواع انتشارًا و هو ليس جديدًا على البشرية و لديه -كما البشر تماما- تاريخ حافل يستحق النظر فيه،حيث أنه يطلعنا عن قرب من سلوك السرطان إضافه لسلوك البشر وكيفية تعاملهم مع المجهول. و على الرغم من أن تاريخ البشر في محاربة هذا المرض حافل بالإنجازات إلا أنه لم يتم التوصل لعلاج نهائي له حتى الآن.

قبل الميلاد ب 400 عام اُطلِق اسم “cancer” على هذا المرض لأول مرة بواسطة أبقراط. و هي كلمة مأخوذة من “Karkinos” اللاتينية و التي تعني سرطان البحر حيث رأى أبقراط أن الورم يشبه أرجل سرطان البحر.(2 )

و على الرغم من أن أبقراط أول من سماه لم يكن هو مكتشفه ، حيث أن أقدم وثيقة ذُكر بها السرطان هي بردية مصرية يعود تاريخها إلى 1500 عام قبل الميلاد. وُثق فيها ثمانى حالات من الأورام التي تحدث في الثدي، و تم علاج هذه الحالات عن طريق الكي الذي دمر الأنسجة المصابة بأداة ساخنة تسمى “حفارة النار”. (3 )
وعلى الرغم من هذا لم يفسر المصريون المرض تفسيرا منطقيا بل ارجعوا الأمر إلى الآلهة.
ورغم معرفة الإغريق الضئيلة عن الجسم البشري، إلا أنهم وضعوا تفسيرا استمر قرابة 1400عام حيث اعتقدوا أن الجسم يتكون من أربعة سوائل: الدم ، البلغم ، الصفراء الصفراء ، والصفراء السوداء ،وأن أى زياده فى الصفراء تسبب السرطان .
وصولا للعصور الوسطي لم يختلف الأمر كثيرا عن تفسير القدماء فكلاهما نسينا المرض لعالم الغيبيات فاعتمدوا فى العلاج على مدى الإيمان والمعجزات. أما في الشرق كان الأمر مختلفا، حيث أعاد ابن سينا و الزهراوي وغيرهما البحث عن العلاج للظهور مره أخرى عن طريق ترجمة كتب مدارس الطب القديمة للإغريق، و تمت إضافة معدات جراحية جديدة لإزالة أورام الثدي بواسطة الزهراوي و الطبيبان الفرنسيان هنري دي موندفيل و جاي دي كاليك و على الرغم من هذا التطور الغير مسبوق لم تنتشر الجراحات إلا في عصر التنوير في القرن السادس عشر بسبب التعصب الديني.
وفى القرن التاسع عشر حيث الثورة الكبرى في الطب بشكل عام و علاج سرطان الثدي على وجه الخصوص حيث تم فهم المرض و آلياته و أسباب انتشاره. (3)

ظهرت الوعود الجديدة فى القرن العشرين ،حيث تم ابتكار جهاز الماموجرام الذي يقوم بتشخيص المرض مبكرا مما رفع نسب النجاة، وساعد التطور فى ظهور آليات أخرى للتشخيص مثل الفحص الجيني و استخدام الموجات فوق الصوتية و التصوير بالرنين المغناطيسي. و كان لابد من ظهور طرق جديدةلعلاج المرض جنبا إلى جنب مع طرق التشخيص الحديثة، فظهر العلاج الإشعاعي ، والعلاج الكيميائي ، وعلاج الغدد الصماء، و العلاجي الهرموني و الجزيئي (2)،و مازالت هناك أساليب جديدة للتعامل مع المرض تظهر كل يوم.
لدى السرطان آليات تكيف و تطور تجعل علاجه صعبا، لكن الأخبار الجيدة أننا نحرز تقدم،حيث وصل معدل الناجين من سرطان الثدي نسبة 80% في عام 2014 حسب منظمة السرطان الدولية. (1)
لكن،
إلى أين يذهب مستقبل علاج سرطان الثدي؟

يتجه الأطباء الآن لإختيار علاج لمرضى سرطان الثدي أكثر تخصصا حسب الأفراد حيث يتم اختيار العلاج المناسب حسب الفحوصات الجزيئية السريرية فقد ثبت أن الاختلافات الفردية تجعل فاعلية العلاج مختلفة. (2 )

في الماضي كان التشخيص بمرض السرطان بمثابة حكم نهائي بالموت، لا أمل فيه و لا مفر منه ، كانت المشكلة ليس فقط أن علاجه كان مستحيلا بل لأنه كان يوما ما “تابو” لا أحد يحب التحدث عنه. كان محاط بهالة من الغموض و الخوف، هو المرض الوحيد الذي مازال بعض الناس يخافون ذكر اسمه، هو المرض الوحيد بين السل و الطاعون و غيرهم من الأمراض الفتاكة الذى أُطلق عليه لقب “الخبيث” . فضل الكثرين من المرضى الصمت عن طلب المساعدة أو الدعم النفسي على الاقل لأن مريض السرطان كان يشعر بالعار و الخزى من مرضه و عدم جدوى العلاج على اى حال.
الآن نحن نعيش حقبة جديدة من محاربة المرض ليس جسديا بل نفسيا أيضا. لم يعد السرطان “تابو” بعد اليوم، لم يعد الشفاء من السرطان مستحيلا، الآن يتشارك الناجون من السرطان قصصهم التي تلهم الآخرين و العالم يعاملهم كمحاربين و أبطال يجب الإحتفاء بهم و ليس فقط التعاطف أو الشعور بالأسى تجاههم. الآن أصبح هناك منظمات لدعم مرضى السرطان بل وحتى أهالي المرضى ماديا و نفسيا أثناء و بعد التعافي من المرض حيث تهتم هذه المنظمات بتوفير المناخ المناسب للمرضى و مساعدتهم على تخطي الأزمات النفسية و اشراكهم في المجتمع مرة أخرى بعد التعافي.
من الجلي أننا نحرز تقدما على المستوى العلمي و الانساني معا، لم نصل بعد لكن بالطبع اقتربنا.

المصادر:

1) https://ourworldindata.org/cancer

2) https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5481194/

3) https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2927383/