الحبُ فى فلسفتي

حدَّثتني مُتسائلةً: ما الضمان على عدم وقوع الندم بعد أن اختار كلُّ منَّا الآخر؟ فى نفس الليلة قرأتُ منشورًا لأحد أصدقائي يتساءل: "يا ترى هيندّمني على معرفتي به!"



حدَّثتني مُتسائلةً: ما الضمان على عدم وقوع الندم بعد أن اختار كلُّ منَّا الآخر؟
فى نفس الليلة قرأتُ منشورًا لأحد أصدقائي يتساءل: “يا ترى هيندّمني على معرفتي به!”
فعُدتُ أُفكّر فى حال الحب، فما وجدتُ إلا أن أكتب بعض السطور لأصوغ فلسفتي الخاصة في الحُب.
إلى أولئك الذين يُفكّرون في نِتاج الحب؛ هل سيُصاحبه ندم وسوء اختيار؟ إلى المُترقّبين في بداية العلاقات، وإلى نفسي:  لن أقول إن الحُب ضمان للمجهول، ولن أقول إن الحُب ثابت لا يتغيَّر، ولن أقول إن الحُب وحده يُقيم علاقاتٍ سوية متوازنة، لكنَّ الحُب أحد الأركان والأدوات، هو القوة التي نواجه بها اختلافنا وخلافنا.

الحُب في فلسفتي الخاصة:
العلاقات الإنسانية بكُل أشكالها بدايةً من أكثرها ترابُطًا إلى أقلِّها داخل المنزل وخارجه؛ لا أستثني منها شكلاً؛ جميعها قائمة على ما نطلق عليه “هات وخد” أي التبادل، فلا تصح علاقة سوية  بأحد طرفيها فقط. العلاقات تبادلية، جميعنا يحتاج سواءً كان احتياجه ماديًّا أو معنويًّا. فلا قناعة لديّ بصحّة علاقة أُحادية حتّى وإن كانت تحمل الكثير من الحُب بين طياتها، فالحُب كالنبتة إن أردتَ طرحها، فعليك رعايتها.
فالتبادل في الحُب هو أول أُسس فلسفتي.
أما ثانى الأُسس فهو “التقبُّل”
الأساس في بشريتنا هو الاختلاف؛ جميعنا مُختلفون  فى الأجناس والألوان والأشكال، وهي أمور ظاهرية، فكيف هي الحال ببواطن الأمور من مشاعر وأفكار وغيرها؟!

إن كان الاختلاف أصلاً، فالتقبُّل فرضٌ لازم تطبيقه، وعند التطبيق لابُدَّ من الانتباه أنَّنا لا نتطابق، وهذا أراه جوهر الحب.
وهنا دعنا نُوضّح الأمر قليلاً: الرجل والمرأة كلاهما مختلفٌ على الجانبين؛ الفسيولوچي والسيكولوچي، والحُب بينهما فطريٌّ، لكن حين انعدم التقبُّل، ظهر التنافر وظهرت العديد من الآفات وبات كلُّ منهما ندًّا للآخر مُتجاهِلاً الأصل فى اختلافهما. فتحوّل الاختلاف لخلاف أقرب لصراع واجب فيه انتصار أحدهما على الآخر متجاهلين أمر الحُب.

وكما يقولُ تميم:

قالت غلبتُك يا هذا، فقُلتُ لها .. لم تغلبِني ولكن زدتِني كرما

بعضُ المعاركِ في خُسرانِها شرفٌ .. مَنْ عادَ مُنتصِرًا من مثلها انهزما

أحببتُك يعني قبلتُك لذاتِك وحالك، فأحببتُك كما أنت بكُل سيئاتك وحسناتك، جميعنا ناقصٌ لنتكامل سويًّا..
وأثر القَبول يظهر في التبادل، فلرُبَّما يكون التبادل قائمًا فعلاً، لكنَّه لا يتوافق مع أُطر احتياجاتي، وهنا يظهر الأساس الثالث وهو التشارك..
التشارك لا يشمل الأمور المادية فقط، بل هو مفهوم أعم وأشمل خاصةً فى الحُب، فيتسع ليشمل  التشارك في وجهات النظر والآراء، والتشارك في الألم كما الفرح، فالشريك هو من نُقاسمه كل ما نحيا، وحين يقع التشارك، سنُلاحظ أثر التبادل والقبول.
وهنا يأتى الأمان كأساسٍ رابع لفلسفتي، فكيف للتبادل والقبول والتشارك أن يقوموا وقد فُقِدَ الأمان؟
كيف لكل كلمات الحُب أن تكون بسحرها ساحرة وقد فُقِدَ الأمان؟
جوهر الأمان يتجلى في أول حُب رصدناه في طفولتنا؛ حيثُ الأم والأب؛ رغم ضعف بنيتنا وقلة حيلتنا وضئالة خبرتنا إلا أننا نواجه العالم حولنا بكل شغف وجرأة، بسبب هذا الأمان المُلقَى فى قلوبنا. الأمان لا يقتصر على البلاد والأراضي بل أصله في القلوب، فكيف للقلوب أن تحب وقد فقدت أمانها؟
حين أتحدث عن الأمان كأساس رابع لفلسفتي، أتيقّن أنه ذاك السهل المُمتنع بقدر خفائه تعرف قدر أثره ووجوبه.
الأمان في الحُب هو أنه لا رهان على فقدانك وإن غبت ،ولا رهان على خسرانك وإن اختلفنا، الأمان يمنح للعلاقات سكينتها ويظهر هذا على أفعالنا، فلا نجد ضرورة لأن نكون غير ما نحن حقًّا؛ أي أنَّه لا ضرورة لإظهار ما ليس بي، ولرُبَّما هذا ما قيل فيه إنَّ الارواحَ تتلاقى، وحين تتلاقى نُؤمِّنها ونشاركها ونبادلها ونقبلها.

وبعد:

لازال هُناك ما صَعُبَ عليّ وصفه وتسميته، واختلف وصفي له في مسودات سطوري، فما وجدتُ إلا وصفه بما قالته صديقتى بالنقصان:
كيف لي علمًا أنَّكِ تفعلين ما تفعلينه-فقط-لأجلي، لأنَّكِ تُريدين إسعادي، لا لأنَّكِ سعيدة لفعله! كيف لي علمًا أنَّكِ في كل مرة تُرافقينني إلى المكان الذي أُحبُّ وتُشاركينني الطعام والكلام الذي أحبُّ رغبةً في إسعادي لا إرضاءً لنفسكِ؟!كيف لى أن أعلم أن هناك أمورًا تفعلينها ولاتألفها نفسكِ-فقط لإرضائي-وأنتِ لم تُصرِّحي يومًا بهذا، لم تُصرِّحي بأنَّه تنازلٌ!
بعد سؤالها وجدت أن هذا يتكرَّرُ كثيرًا، فنجد أحبةً يفعلون أمورًا عديدة ليس حُبًّا فيها، ولكن حُبًّا لحُبهم ذاته، وتكرار فعلها يجعل الطرف الآخر يتصرف على أن هذا الفعل حقه، وإن حاد عنه شريكه، اتّهمه في حُبه بالنقصان.

ببساطة:

إنَّ أمرًا لا آلفه، أفعله لأجلك، فمن البدهي جدًّا أن أنقطع عن فعله مرات ومرات، ومن البدهي منك أن تتفهّم وتعلم أنه لا واجب في الحب سوى ذاته وفقط، ولهذا من الضروري لصحة العلاقات توضيح هذه الأمور، فالفرق شاسع بين فعل أمر ما لأنّي أحبه وفعله لأنك تحبه. يفسد الحب القائم على أنَّ كُل فعل هو واجب على طرفه، ويتحوّل فيه الفضل لفرض،  فلا فرض في الحب سوى الحب ذاته، وما دون ذلك هو فضل أوقعه الحب.
فحق المُحِبّ على محبوبه إدراك أنَّ كل ما يفعل ليس بفرض، فلرُبما يفعل أحدهم ما لا يُحب، لأنه يحب فحينها يكون الفعل فضل والتراجع عن فعل الفضل لا ينفي وجود الحُب، فالحُب في ذاته عميق مُتعدد، مُتشعب، مُتشابك، ورُبما مُتضاد. فالحُب ميثاق بلا مواثيق وعهد لا نقض فيه، الحب ملجأ دائم لا رهان على دوامه، الحب في ذاته مُختلف وغريب، فكيف لي أن أصف ما لا وصف له؟!
فقط هو الحُب، يختلف كما نختلف نختلف نحنُ. وصولاً إلى هُنا تنتهي أُسس فلسفتي، لكن لم ولن ينتهي الحديث عن الحب، فالحب متفرّد كما البصمات، فلا تفقد بصمتك في الحُب، فقط كُن مُحِبًّا كما تُحِب!