مُفاضلة ضرورية

جميعنا يملك من الأحلام والطموحات والآمال ما يسعى لتحقيقها، بل رُبَّما يتفانى في هذا الأمر كثيرًا، وبعد وصوله يشعر بشيءٍ من النقص، ويظل يتساءل عن الخلل!



أهب واقفةً لأمسك ذلك الجهاز المعدني (الموبايل)، لأفتح ملفَ المُلاحظات، ومنه مستندًا جديدًا، لأكتب تلك الجملة التى ظللت أردِّدها لئلا أنساها بعد أن ظهرت على الشاشة تُترجم  ما تقوله هذه المُمثلة الهندية -لا أعلم مَن هي – لمن يُشاركها المشهد، فهو يلومها على فشل والدها في تحقيق حلمه، وفتح متجر خاص به، ليُثبط عزيمتها في إتمام ما عجز والدها عن فعله، فقالت له: “بابا محققش اللي هو عايزه بس بابا حقق اللي هو محتاجه” وهُنا شعرتُ أنَّنى وجدتُ شيئًا ضليّتُ أثناء البحث عنه، ولرُبَّما أيضًا جهلتُ أنَّنى أبحث عنه، فكتبتُها وأكملتُ مُشاهدة الفيلم.

ظلَّت تلك الجُملة تُطاردنى لأيام عِدَّة وتفتح بداخلى العديد من الأسئلة؛ منها: ما الفرق بين المُتطلَّب( العوز) والاحتياج؟ أيُّهما أصحُّ؛ البحث عن العوز أم عن الاحتياج؟ كيف يكون العوز مُختلِفًا عن الاحتياج ؟ وكيف أحتاج ما لا أعوز؟

وظلَّت تلك الأسئلة وغيرها تُطارِد  أفكاري، وظللتُ أسقطها على أمور كثيرة في  حياتي، وأتشاور فيها مع أصدقائي، وعلى غير العادة ذهبتُ لأسأل أبي:

“بابا هو أنا المفروض أحقق اللي أنا عاوزاه ولا اللي أنا محتجاه؟!” لم يتردَّد كثيرًا قبل أن يقول: “اللى أنتِ محتاجاه” وضرب لى مثالا: “أنتِ  عايزة تشتري عربية دلوقتي ليكي، بس الحقيقة أنك مش محتاجاها ضروري، لأن عندنا عربية هتسد الخانة دي دلوقتي” ثُم أردف  قائلاً: ” ليس كل ما نوده(نعوزه) يكون احتياجًا”

وهُنا تذكرت تلك المُحاضرة التي حضرتُها قبل عام ونصف في  التسويق، وشرح المُحاضِر الفرق بين (needs & wants)

فتعريف “needs”

هو الأمر الذي لا تستقيم الحياة بدونه، فيكون ضرورة في الحياة.

أما تعريف الـ “wants”

فبدونه تستقيم الحياة، وبالتالي فهو من غير الضرورات بها.

وهذه إحدى المفاهيم الأساسية لعلم التسويق، بل وإحدى الضروريات الواجب تحديدها عند الشروع في مشروع جديد؛ لكن هذا ليس مجال حديثى، فأنا أودُّ أن أتوجّه لحيواتنا، وكيف هو أثر هذه المفاهيم بها.

جميعنا يملك من الأحلام والطموحات والآمال ما يسعى لتحقيقها، بل رُبَّما يتفانى في هذا الأمر كثيرًا، وبعد وصوله يشعر بشيءٍ من النقص، ويظل يتساءل عن الخلل!

نعم رُبما أردتَ هذا بكل شغف وسعيتَ للحصول عليه حد التفاني ووددتَ  تحقيقه، ورُبَّما أيضًا تصل له وتحققه، لكنه ليس ما تحتاج! فشغفك وسعيك توجها لما تُريد لا ما تحتاج،  فعند امتلاكه لم يكتمل الشعور داخلك، لازال هُناك أمرٌ خفيٌّ ينقُصك!

هذا هو احتياجك،
فنحنُ بحُكم اختلافاتنا، تختلف احتياجاتنا؛ سواء كانت مادية أو معنوية، ويظهر هذا الاختلاف في أجلّ صوره بين المرأة والرجل، فجُل المُشكلات تحدث لجهل كلٍّ منهما باحتياج الآخر ، كتلك الظاهرة التى تُعَنوَن بالمساواة مع تجاهل الاختلاف الجوهري بينهما، يُنادون بما يودون لا ما يحتاجون.

وهُنا تذكَّرتُ علةً أُخرى مُنتشرة بيننا، وهى تمثيل النجاح فى شكل مُحدد وهو الشهرة _أذكر هُنا تحديدًا الشهرة لكثرة من يبحث عنها ليصنف نفسه ناجحا بناء على انتشارها فى أوساط وسائل  التواصل الاجتماعي_فأصبح العديد من يبحث عن الشهره لأنه أرادها ونسى احتياجه للنجاح فى ذاته بعيدا عن حده فى شكل أوحد ، تجاهل نجاحه فى حياته الشخصية ،والعلمية ،وربما تجاهل نجاحه فى سلامة نفسه وسكونها .

ومن مظاهر الخلط بين المفهومين هو ما يحدث عند الذهاب للتسوّق، فنجد مِنَّا مَن يأتى بما لا يحتاج وليس ضروريًّا، لأنَّه ذو سعر زهيد! فهو أراد التخفيض جاهلاً بحاجته نفسها. لم يقتصر الأمر على هذا ،ولكن نجد أيضًا كثيرًا من الأهل يشترون لفتياتهم ما يُسمَّى بـ (الجهاز) مُنذُ  سن مُبكرة، رغم عدم حاجتهم له الآن مُتحجِّجون بارتفاع الأسعار، وهذا ليس بصحيح، لأنه ليس احتياجًا حاليًا متجاهلين أنهم يفقدون احتياجًا فعليًّا الآن مُقابل ما صنفوه احتياجًا مُستقبليًّا. وبإمعان النظر حولك، ستجد العديد من الأمور في رفوف مكتبك ودولابك ورُبَّما فوقه مُكدَّسة لا حاجةَ  لك بها، وهذا لأنك لا تريد التخلى عنها فقط، لأنك تعتقد أنك قد تحتاج لها يومًا، وهى علَّةٌ مُنتشرة فى بيوتنا.

ختامًا: عزيزي القارئ،  فقط أعِد النظر في أمور حياتك، لترى إن كُنت تحتفظ بما تحتاج، وتسعى لما تحتاج، أم أن جهلك بحاجاتك وشهوة نفسك وتطلعها هي مَن تقودك!

وهنا أعود بك للمشهد وقول الفتاة عن حاجة أبيها: “بابا كان محتاج عائلة مُحِبة، مُقدِّرة، مؤمنة بما يريد، مُتقبِّلة له”

مراجعة لغوية : إيمان النجار