بَني المانِيكانْ

مسكين ذلك "المانيكان"، لا يعلم أنهم يشاهدون الملابس التي أُلبِسَتْ له -رغماً عنه-، وأنه لا يشغل ولو حتى نقطة من محيط تفكيرهم،



مسكين ذلك “المانيكان”، لا يعلم أنهم يشاهدون الملابس التي أُلبِسَتْ له -رغماً عنه-، وأنه لا يشغل ولو حتى نقطة من محيط تفكيرهم،
وأن لا أحد يلاحظ مكنونه الحزين، وتلك الملامح المغطاة بالبسمة الخادعة..

دائماً اتساءل عن شعور ذلك “المانِيكانْ”، ذو الجسم الممشوق اللامِع، والملامح المتبسمة الواثقة،
هل حقاً يبتسم من السعادة؟، أم يبتَسِم لِكَي يُخَبْئ ذَلِكَ الحُزْنُ العميق الذي اخترق جسمه، واحتل قلبه ؟، أم أنه يختلق تلك البسمة الآفاقة لأنه تحتم عليه ذلك؛ ليجذب الزبائن ليشاهدونه ؟.
مسكين ذلك “المانيكان”، لا يعلم أنهم يشاهدون الملابس التي أُلبِسَتْ له -رغماً عنه-، وأنه لا يشغل ولو حتى نقطة من محيط تفكيرهم،
وأن لا أحد يلاحظ مكنونه الحزين، وتلك الملامح المغطاة بالبسمة الخادعة..
يشاهدهم وهو يسمع الإعجابات تنهالُ كأمطارِ تشرين، على تلك الملابس ومصمميها، وعلى ذلك المتجر ومالكيهِ الأرستقراطيين، بينما لا أحد ينظر إلى عينيه، أو حتى يلقي التحية عليه.
وتأتي الثانية عشر ليلاً لتعلن بداية المأساة؛ فتنغلق أنوار المتجر تتبعها أبوابه، ويذهب الجميع إلى منازلهم طامحين الحصول على الدفئ العائلي المنشود، ويتسامروا سوياً فيكرّوا أحداث يومهم هذا،
فيبدأ الحديث عن تلك الملابس التي رأوها في ذلك المتجر، وعن تلك “الماركات” والتصاميم المدهشة،
بينما يظل هو أسيراً لظلامٍ فُرِضَ عليه قصراً،
وحيداً حزيناً، يتأمل تلك الحياة التي تفتقد إلى الحياة، وتزرف عيناه دمعاتٍ.. ليست دمعات الحزن المعتادة، بل تلك الدمعات اليائسة التي تصعد من صدرك إلى عينيك لتقفز منتحرة على جبينك، إنها دمعات الوحدة والضعف.
ويأتي سؤاله المؤرق متى ستنتهي هذه المعاناة؟
متى سيتحرر ؟ متى سينال خلاصه ؟.
وينتهي به الأمر بالصمت العاجز دون أن يسمع صدى لصرخاته، وذلك لأنه تحتم عليه هذا، لأن تلك هي ماهيته، وهذا هو عمله.
فكلما ذهبت لذلك المتجر أكاد أجزم أنني أسمع أنيناً يخترق ضوضاء الناس، ثم بكاءٍ فصرخاتٍ، ثم الصمت الفواح برائحة اليأس.
وبعد ذلك أذهب إلى منزلي ، ولا أبوح بما أشعر، وأخفي ذلك الحزن الكامن داخلي، فأصطنع الابتسام واستحضر البهجة، لأنه تحتم علي هذا، ولأن هذه هي ماهيتي، وهذا هو عملي.