واقعيَّةُ مِدادِ اللُّبِّ

ألا يكونُ لفيها المَفتوح نصيبٌ مِنْ مداد اللُّبِّ المَصهورِ يُذيبُ بعضًا مِمَّا ازدردته في طريقها إلى المَسخ؟!



وكأنَّها جاذبيَّةُ الأرض أو ما تقلَّبَ عليه الدهر فأصبح مِنَ الضِّعةِ إلى الحدِّ الذي يُكسبه خِصالَها، فتجد الأُمم كُلَّما انحطت، زاد اعتمادُها في غذائها الثقافيّ على مَنْ يعلوها، وهكذا حتَّى نصل إلى أُممٍ تكاد تُلامسُ أفواهها ثرى الأرض وهي تتلقَّط ما يُسقطه الأعلون غيرَ مُبيَّن غَثّه من سمينِه!

ومن هُنا؛ على مقربةٍ لَصيقةٍ بالحال المائلة يقفُ الأدبُ مُتسائلاً: كيف يُجَسَّدُ الواقِع المُنحط دونما انحطاط لا يليقُ تصنيفه ضمن بضاعة الأدب؟!

وإذا كانتِ اللُّغة هي الفكرُ المَنطوق، فتُرى أيّ منطقٍ لأمَّةٍ مُرقَّعةٍ أفكارها؟!

ولكن..

لا تلبثُ أن ترى الانحدارَ يأخذُ الأُدباءَ الخائرةَ مقاومتهم إلى غورٍ سحيق، فلا ترى الواحدَ منهم إلا فاغرًا فاه يتلقَّط من عصارة ما يتلقَّط الجمعُ حوله مِداد قلمه.

وكُلَّما تلقَّت مسامعه أصوات قومه المقاومين يُذكّرونه بمآلِه، صرخ: الواقعيَّةُ تقول!

الواقعية.. يا موت زُر!

تُرى إذا ما رسم راسِمٌ الشيء كما يتراءى لكُلِّ عينٍ، مُتذرِّعًا بـ(واقعيتِه)، أيكون قد أراق فيه من مواهبه غير قدرته على التقليد؟

عينا الفنان نافِذَة، تتتبَّعُ الخُطوط من داخلِها إلى خارجِها، فتكون واقعيَّة لوحته أن تتراءى لكُل عينٍ بعينيه، فتطفو خُطوطها القاصية والدانية بالبروز الذي تمسُّه أعينُهم، ويمسُّ منهم أغوارهم. وهو ليس بالتلقين، إذْ إنَّها لا تصدمُ في كُلِّ غَورٍ ما تصدمه في آخر.

وعلى سبيل التقريب بالتمثيل، نتناول الرواية العربية:

فإن كانت اللوحة المَرسومة بغرض مُحاكاة الشيء نفسه لا تُظهِرُ من صاحبِها إلا قدرته على التقليد بدقَّة قد تنقضي بالكاميرا في بضع ثوانٍ، فكذلك أرى الحوار الروائيّ الجاهز مُتذرِّعًا صاحبه بالواقعية!

ومِنَ الروائيّين مَنْ تَبنَّى هذي الفِكرةَ (إنطاق شخصيَّات الرواية بِمَنطقِهم في حياتِهم اليوميَّة) فكان كُلَّما انحطَّ بمستوى الحوار، انحطَّ بلُغته العاميَّة، وإذا ارتفع به، أنطقَ صاحبَه الفُصحى (وهو ما لا يكون في الحياة اليوميَّة لأمثالِه)، فإذن تحمل هذه الحُجَّة في ثناياها عوامل ضعفِها؛ تلك العوامل التي تقوم عليها حُججٌ مُقابِلة تُبدي من كاتبِها عبقريتَه القادِرة على إنطاقِ الشخصيات فُصحى مُتدرِّجة إلى الحدِّ الذي يكادُ يُلامِسُ العاميَّة، فتبدو في ثوبٍ واقعيّ ولُبابٍ أصيل (يُجسِّدُها بأبعادِها المُترائية للعيان؛ ولكن بمدادِ قلمٍ من مَصهور اللُّبِّ المَطمُور)

فهذا يُوسف السباعي في رواية السَّقا مات:

وإن كُنتُ أُقدِّرُ رأيه-في بادِئ الأمر-بشأن أنَّ مُحاولة إنطاق شخصيات الرواية بلُغةٍ لا ينطقها الناس في حياتهم، طعنٌ للواقعيَّة في مَقتَل، إلا أنَّني ما لبثتُ أن تبيَّنتُ الأمرعلى كُنهه؛ فكم وقفتُ أمام كلام (شحاتة أفندي) عن الموت، ثُم أمام كلام (شوشة) عن زوجِه في نهايةِ الرواية؛ إذ لم يُكن بنفس لُغة الحوار في الرواية(العامية المِصريَّة) فأدركتُ أنَّ لُغة الحوار لَم تأتِ عاميّة إلا لأنَّها المَسلك الأقصر إطلاقًا للواقعية،  وذلك أنَّ الكاتِب أدخل الفُصحى(وهي غير الواقعيَّة بمنطقِه) حينما ارتفع بمستوى الحوار. وإذا انتقلنا إلى روايات نجيب محفوظ (بما أنَّه قد تناول الفئة ذاتها في رواياته) سنرى أنَّ من ضروب عبقريته أنَّه كان “يغفّل” القارئ، فيُشعره أنَّ لُغة الحوار (بتدرجها مع الشخصية وحالها حتى الفُصحى التي تكاد تُلامس العامية)هي نفسها التي يتحدثُها الناس في واقعهم!

وإذا كانت الفُصحى البسيطة التي يُنطق بها محفوظ شخصيَّات رواياته تُعدُّ كذلك انحدارًا، فما أراه إلا انحدارًا نسبيًّا للواقفِ على قمَّةِ المُنحدَرِ؛ بينما هو في أصلِه خُطواتٌ تتخطَّى المُنحدر صوب القمَّةِ.

أمَّا الواقعيَّة المُزعومة، فليست إلا الواقعية العمياء للأُمَّة المَمسُوخةِ، تقودُها إلى الجحيم القابع في أغوارٍ سحيقة بالوغول مع المُنحدَر.

والدليل قائمٌ تلقاء ناظريّ كُل لبيبٍ بمُضاهاة مَنْ يتحرُّون الفُصحى الواقعيَّة مُمتزِجة بالعامية من أُدباء القرن الماضي وأمثالهم اليوم. ولن يخبو كَم أنَّ الفُصحى المُستخدَمة في غير الحوار الروائي إلى ركاكةٍ تُنبِئ بدنوّ الأجل!

تخيّل:

إذا كانت الأمة فاغِرة أفواهها لسقطِ كُلِّ ثقافةٍ، حتى أصبح عليها الصباح لا يكشف بنُورِه إلا ثقافةً وبالتالي لُغة مَمسُوخة، أيكون حظُّها من الأدبِ أن يتواضع حدَّ الضِّعة، ليكون كاتِبوه كالرِّسَّامِ إذْ ينقل الصورة مَسلوبة الأصالة التي تتراءى لكُلِّ عين، فيُزيدها ثباتًا ورسوخًا؟!

ألا يكونُ لفيها المَفتوح نصيبٌ مِنْ مداد اللُّبِّ المَصهورِ يُذيبُ بعضًا مِمَّا ازدردته في طريقها إلى المَسخ؟!

ثُمَّ..

مَنْ يتأثَّرُ بالآخر؟

الكاتبُ بلُغة القارئ ليكون واقعيًّا، أم القارئ بلُغة الكاتب فتغدو شيئًا من واقعه؟!