ازدواجية البشر

!إن كان التقدم حليف البشرية؛ ماذا عن سعادة الإنسان ؟



في حديث طال بداخلي، يتمحور حول ماذا بعد كل هذا التطور ( أقصد بالتطور هنا، التطور المادي؛ سواء أكان تقني  أو علمي) ما الذى نبحث عنه، إلى أى مدى نريد أن نصل ؟!
وصلنا لعمق الأرض، تخطينا السماء، كان للبحار نصيب من خطانا ، وضعنا النظريات وطبقنا العلوم ، تقدمنا اقتصاديا وعلميا وتقنيا؛ حيث يشاهد العالم اليوم تسارعا فى التطور فى كل المجالات؛ تسارعا نكاد لا نلحقه . صارت حياتنا آلية إلى حد غير محدود! توغل بها الذكاء الاصطناعي بشكل يجعلنا نتساءل إن كان التقدم حليف البشرية, فماذا عن سعادة الانسان ؟!
هنا أتذكر ما قاله  على عزت بيجوفيتش – رئيس البوسنة سابقا – فى كتابة “الاسلام بين الشرق والغرب ” : أن القوتان العالميتان العظميان  فى العالم أعنى الولايات المتحدة الأمريكية والأتحاد السوفيتى يخصصان أكبر الاعتمادات للبحث العلمى والتعليم لكنهما ليستا أعظم دول العالم ثقافة !
فمن منظوره ، يرى الازدواجية البشرية والفرق بين عالم الانسان الظاهرى والباطنى كالفرق بين الحضارة والثقافة . فالحضارة- كما وصفها -هى تأثير الذكاء على الطبيعة أو على العالم الخارجى ، وهى استمرار التقدم التقنى لا الروحى . أما الثقافه- كما وصفها-  فهى الخلق المستمر للذات، وهى الفن الذى يكون به الأنسان انسانا .

فى أكثر المظاهر التي لاتمت للانسانية بأية صلة كانت بعيدة أو قريبة ؛ ظاهرة تقتل الإنسانية فى أسوأ أشكالها حيث يقتل الإنسان نفسه فى لحظة يقرر أن ينهي تلك الحياة بداخله . وبمنهج أكثر دقة ،دعنا نقول أنه تبعا لمنظمة الصحة العالمية فى تقرير عام 2015 وجد أن الدول التى تسجل أعلى نسب انتحار كانت  ( روسيا ويليها كندا والولايات المتحدة الأمريكية ) وذلك موضح فى الصورة المرفقة . [1]إن كانت تلك البلاد تحقق تقدما علميا وتقنيا، بمنطوق سياسي فهي دول تقود العالم اليوم ،فلماذا الانتحار؟!

لم يقدم هذا الإنسان على قتل نفسه، وإن كانت سبل التقدم والتطور تصدر من بلده؟! هذا البحث المصغر يقودنا إلى ماهية مايبحث عنه الانسان .

فالأمر لا يقتصر على حالات الانتحار والجرائم ؛ولكن أيضا  طال حال الأسرة. فأصبحت حالات الطلاق جنونية فى معدلاتها والتفكك الأسرى بات أمرا طبيعيا فربما تدور الأيام والليالي ولا يرى الأب ابنه ويكون لقاءا محض صدفة افتعلتها الظروف.

وعلى الجانب الآخر من العالم؛ حيث القضية الأكثر شهرة ،والتي دوما ما كنت أتعجب لها، وهى القضية الفلسطينية .لن أخوض فى حديث سياسي ولا قضايا دينية وعرقية ؛ ولكن دعني أتساءل ما الدافع وراء استماتتهم دفاعا عن قضيتهم ؟! فهم يعيشون في وضع مادي مزري، وظروف يعجز العقل مرات عن تخيلها، مع كل هذا يرفض غالبيتهم التعويضات المادية السخية التي تدفع لهم ! إذا قابلت أحدهم، أو شاهدت مقطعا لهم ستعرف أنهم يتذكرون بيوتهم فى حيفا ويافا ويحتفظون بمفاتيحها ، هم يموتون كل يوم وينجبون كل يوم ، فيما يفكرون ان كان التطور والتقدم ليس حليفهم ؟!

هنا أتذكر قول eckhart tolle فى كتابه “قوة الآن” :قوائم وفواتير الغد ليست مشكله وفناء الجسد ليس مشكلة خسارة الان هى المشكلة .
فأحد سلبيات المادية هى أنها حرمتنا حق الحياة فبعد توغل  الآله فى كل شئ -لا أنكر فضل التكنولوجيا والتقدم- أصبح حالنا بين ماضٍ نذكره ومستقبل نتطلع إليه ؛ فقلت متعتنا وتشوهت نفوسنا لأننا أهملنا عالمها الجوانى أهملنا ذاتيتنا وطبيعتنا وأصبح التقدم التقنى هو تعريف التحضر الأبرز لنا  .

لكن بأختلاف الموقفين السابقين  وبعض من التدقيق يظهر لنا بكل وضوح أن هناك بعدا آخ؛ر بعدا جوهريا تكمن فيه حقيقة التكوين الإنساني .التكوين الإنساني ليس تكوينا ماديا فقط فنحن لسنا فقط أجسادا تسير على الأرض ؛ هناك ذاك التكوين الغير مادي، وهو جوهر الانسان متمركزا حول ما يسمى جوانيات الإنسان ( مشاعره ) ، وبه نستطيع رؤية  الازدواجية البشرية بين المادة والروح فى أجل صورها .

ومن هنا نجد الفرق الحقيقى  بين سعادة المتعة وسعادة المعنى ، فالتقدم والتطور والحضارة يخدمون سعادة المتعة ؛أما الجوهر الآخر -عالم جوانيات الانسان- يخدمه سعادة المعنى .فبعد التقدم وما يسببه من سعادة مؤقته يأتى الانتحار والتفكك الأسرى والجرائم والأسلحة فى مقدمة هذه المجتمعات ، أما سعادة المعنى هى ما تجعل لما نملك قيمة ، المعنى هو من يدفع الفلسطينين للدفاع والبقاء والاستمرارية ،هو من يجعلهم يقاومون ويحنون ويتمسكون .

فى علم النفس الايجابى، إذا أمعنا النظر للمشاعر المسببة للسعادة، ستجدها  تسع مشاعر موضحة فى الصورة . وبالفهم العميق لمعانى تلك المشاعر، سنجد أن جميعها يخدم المعنى وليس المتعة ، فالأمل والاهتمام والراحة النفسية والامتنان والاعتزاز والحب ، جميعها بلا استثناء تخدم الجوهر .[2]أما التطور بكل جوانبه، فيخدم تلك المادة مهملا ذاك البعد الجوهري ، وهذا الاهمال يظهر أيضا  فى دورة حياة الانسان الغربى؛ الدورة الرتيبة التى تجعله متنقلا بين العمل والمتعة الجسدية والنوم متوهما أنه بذلك يصل الى السعادة  .

عزيزى القارئ :رسالة لجوهرك ،لا تطور ولا تقدم ولا حضارة يطمئن تلك المضغة بداخلك ، فالإطمئنان سيد السعادة؛   فكان الذكر هو الوسيلة ،فالعدل -سبحانه- جعل سر السعادة متاحا يقدر عليه كل من الغنى والفقير ، المشرد والساكن فقال سبحانه “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”

الان نعود حيث بدأنا هل الحياة ستكون أغنى وأكثر سعادة وإنسانية فى ظل هذا التطور السريع ؟!

تلك الصورة السابقة توضح المشاعر الإيجابية ، عند النظر إليها وتفحصها وفهمها  ندرك أنها تخدم البعد الداخلي للإنسان وجوهره .

المصادر:

[1]  WHO website  

http://www.who.int/gho/mental_health/suicide_rates/en/

[2] Psychology Today , positive emotions and wellbeing

https://www.psychologytoday.com/blog/between-cultures/201611/positive-emotions-and-wellbeing