مَمَاحِي..

مسكينةٌ هي الأُخرى؛ لا تعلمُ أنَّ أُمَّها مثلُها بلا مِمْحَاةٍ واحدةٍ، فقد سُلِبتْ مماحيها في يومٍ غَابر، لئلا يجدها كلبٌ ضالٌّ يميّزُ رائحةَ ما كَانتْ تمحو!



  • مماحي..
    لنمحوَ التَّاريخَ يا أُمّي ثُمَّ نُمثّلَ ما كَانَ كَما كانَ، وَلَكنْ بقلبٍ وَرُوحٍ، نعم يا أُمّي!
    إنَّ لقلوبِنا أعمارًا، وَلأرواحِنا صلاحيَّة!
    وَإنَّ أحدًا مِنْ هَؤلاءِ القَوْمِ لَمْ يعِ وَلَنْ.. هذه الكُتبُ التي أُحرِقَتْ؛ إنَّما أُحرِقَ مِنْها جسدٌ مُتهرِّئ، مَسكَنُ أفكارِها عقولٌ يا أُمّي. وَهذه الصُّورُ هي ظلالٌ تختلجُ بشخُوصِها الرُّوحُ وَينبضُ بحُبِّها القلبُ.
    مَسَاكينٌ هُم يا أُمّي؛
    إذ يَلزمُهُم كَسرُ الألواحِ العُظمِيَّةِ الثَّماني التي تشكّلُ جُمجمةَ ابنتِهم المُتمرِّدة، ليحرقوا ما استقرَّ بداخلِها، ثُمَّ شقُّ صدرِها وٙقبصُ مِنْه قلبِها بما يَحملُ مِنْ رَجَسٍ فيقطعوه أشلاءً، إذا ما جَنَّ الليلُ نثروها للكلابِ الجائعة!
    هَلْ تظنين فيهم مَنْ يفعلُ يا أُمّي؟!
    أوَلَمْ يقولوا ويسهبوا إنَّهم فعلوا ما فعلوا بكُتُبِها وصُورِها خوفًا عليها؟!
    أنَّى لَهُم-إذن- بفعلةٍ كَتلك؟!
    إنَّ ما أُحْرِقَ يا أُمي كانَ جسدًا، وَإنَّ الجسدَ كَانَ مآلَه الفناءُ؛ هي كانتْ تعلمُ وأنا كذلكَ أعلمُ، وَلهذا كَانَتْ هذه المماحي تخفيفًا مِنْ وطأةِ الفراقِ على قلوبِنا..
    هذه المماحي يا أُمّي هي رُفاتُ الإنسانيَّةِ التي أحرقوها بداخلِها يومَ أضرموا النِّيرانَ في أقلّ ما يُعبّرُ عَنْها…
    هذه المماحي يا أُمّي، لنتناسى، لنُخفّفَ الأثقالَ إذا ما بلغَ حجمُها قبضةَ اليَدِ فلا تطغو على قلوبِنا…
    أُمّي.. أُمّي.. اتركي لي وَلو مِمْحاة واحدة…

    مسكينةٌ هي الأُخرى؛ لا تعلمُ أنَّ أُمَّها مثلُها بلا مِمْحَاةٍ واحدةٍ، فقد سُلِبتْ مماحيها في يومٍ غَابر، لئلا يجدها كلبٌ ضالٌّ يميّزُ رائحةَ ما كَانتْ تمحو!
    هي ضحيّٙةٌ سابقةٌ؛
    لَمْ يتماسكْ مِنْ قلبِها أمامَ رواسبِ الأزمنةِ إلا عاطفةُ الأمومةِ التي دفعتْها دفعًا للقبضِ على المماحي…
    النِّيرانُ تشتعلُ مُعلنةً عَنْ بَدءِ ترسيبٍ في منطقةٍ جديدة…